السبت، 4 يونيو، 2011

القبيلة هزمت صالح.. فماذا عن اليمن؟

انتحر الرئيس اليمني علي عبد الله صالح حين دك بالقذائف منزل الزعامة التاريخية لقبيلة «حاشد». خرق قوانين التوازن الدقيق في اليمن، فهزمته القبيلة التي ناصرته وحمته طويلا.

كانت قبيلة «حاشد» التي ينتمي إليها صالح، بمثابة حامي السلطة ومهددها في آن. بقي الشيخ عبد الله الأحمر محافظا طيلة زعامته لقبيلة حاشد على خيط العلاقة الدقيق مع الرئيس. كان يبرر دعمه له بالقول: «جنيٌ تعرفه أفضل من أنسي تجهله». توفي الشيخ فتضاربت المصالح. الرئيس يعزز مواقع عائلته ويهمش القبيلة، و«حاشد» تعد للانقضاض عليه.
برز في «حاشد» شاب جريء إلى حد التهور. هو الشيخ حميد الأحمر، حازم كوالده، أكثر جرأة من شقيقه الشيخ صادق (شيخ مشايخ حاشد)، إسلامي التوجه والانتماء، ناجح جدا في المشاريع التجارية ومتربع على إمارة من الشركات، ولكنه في الوقت نفسه واقعي إلى درجة التحالف مع اليسار واليمين فضلا عن مغازلته في مرحلة معينة الحوثيين بغية إطاحة الرئيس صالح.
كان الشيخ حميد أول شيوخ «حاشد» في المطالبة جهارا بإسقاط صالح، قال ذلك في 5 آب 2009. ربط خطوط حوار مع كل المعارضين الموجودين في الخارج. حمى ظهره بدعم سعودي، حاول إقناع الأميركيين بالتحالف. وقيل إن حواره معهم آنذاك وصل إلى حد إغراء واشنطن بالاستيلاء على ثروة الرئيس والتي تقدر بمليارات الدولارات.
ترددت أميركا كثيرا. بقي علي عبد الله صالح بنظر واشنطن صمام الأمان الأبرز والحليف الأهم في محاربة الإرهاب وربما أيضا في الضغط على السعودية، في وقت برزت أطراف سعودية تريد رحيله.
ذهبت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون إلى صنعاء في مطلع العام الحالي. كانت أول زيارة من نوعها يقوم بها وزير خارجية أميركي منذ أكثر من 20 عاما إلى اليمن. قدمت أميركا دعما دبلوماسيا علنيا لصالح، وذلك بعد الدعم الكثير الذي كان يتلقاه من الاستخبارات والأجهزة الأمنية الأميركية، والمساعدات المالية الوفيرة.
اشتدت حركة الشارع اليمني ضد الرئيس، فتكثفت الجهود بغية إيجاد مخرج يحول دون تسليم السلطة لتيارات إسلامية أو انتعاش تنظيم «القاعدة». تم استنباط «المبادرة الخليجية» برعاية أميركية أوروبية. فسقطت المبادرة بسبب شروط صالح وازداد ضغط الشارع، حتى قررت أميركا (كعادتها الشريفة في مناسبات كهذه) التخلي عن الرئيس.
يمكن الجزم اليوم بأن الشيخ حميد أخذ الضوء الأخضر السعودي (وربما الدولي) أيضا للقضاء على صالح. صار الرئيس عبئا على الجميع. اجتمع أبناء الشيخ الراحل عبد الله الأحمر يدا واحدة بعد تردد بعضهم سابقا في الحسم (وبينهم الشيخ صادق نفسه الذي تأخر في قلب الطاولة على الرئيس). وقررت قبيلة «حاشد» إطاحة خصمها أو قتله بتهمة خيانة القبيلة.
انتصرت القبيلة على الرئيس وعلى الدولة، بعدما كانت أصلا أقوى من الدولة، فرجالها مدججون بالسلاح، والمال كثير، جله من السعودية ومن الصفقات التجارية، لا بل ومن الرئيس نفسه الذي كان يغدق على حماته من خزينة الدولة لخطب ودهم أو تفادي شرهم.
ولكن ماذا بعد؟
الصورة قاتمة وسط تناقض المصالح والتوجهات. فإذا كان التيار الإسلامي مع الشيخ حميد الأحمر والشيخ عبد المجيد الزنداني وحزب الإصلاح الإسلامي واللواء علي محسن الأحمر (أول المنشقين عن صالح، أخيه غير الشقيق) يتصدر الصورة الآن، فماذا عن الذين بقوا أوفياء لصالح في صفوف الجيش والحرس الجمهوري؟
وها هو الجنوب الذي تعرض لهجمات قبيلة «حاشد» خلال وبعد حرب العام 1994 يصبح عرضة لكل الاحتمالات: احتمال الانفصال أو الانفصالات، واحتمال الاختراق من قبل «القاعدة»، واحتمال الصدام مع الحكام المقبلين للشمال. ثم ماذا عن الحوثيين؟ ومن سيقطف ثمار ثورة الشباب؟ وما هو دور «اللقاء المشترك» (المعارضة البرلمانية)؟
لا شيء واضحا حتى الآن. الخليج القلق يحاول مع الأميركيين إيجاد عوامل استقرار بسبب خطورة أوضاع اليمن على الأمن القومي للسعودية وغيرها ولكن الأمر معقد. تغيب جامعة الدول العربية (كعادتها) عن المشهد اليمني. يغرق الداخل بتناقضات لا تجمعها إلا معجزة، بينما الفقر الذي نهش طويلا أجساد أكثر من 70 في المئة من الشعب يتراقص اليوم على جثث الأبرياء.
من الصعب الحديث عن استقرار قريب لليمن. أشباح العرقنة والصوملة قائمة. لا شيء مؤكدا سوى أمر واحد وهو أن الرئيس اليمني قد انتحر حين قصف بيت شيخ مشايخ قبيلته. يقول الذين يتهمونه بأنه قاتل سلفه الرئيس المقدم إبراهيم محمد الحمدي «إن من جاء بالدم لا يرحل سوى بالدم». أما محبوه فيقولون إنه «بالدم وحَّد شطري اليمن عام 1994 وإن رحيله يؤذن لنهاية الوحدة وبداية التشطير».

سامي كليب - السفير 4 حزيران 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق