الخميس، 23 يونيو، 2011

سوريا والتحدّي الكبير

أنهى الجيش السوري تمرّد مدينة جسر الشغور بسرعة فائقة، بعدما كان البعض متخوّفاً من حصول مجزرة هناك، لكن إمكانيات الجيش السوري القوية، والخطة العسكرية التي تمّ وضعها أنهت تمرّد جسر الشغور، مع العلم أن نهر العاصي يجري من هناك، وتوجد ستة جسور تفصل بين جسر الشغور ونهر العاصي للضفة الثانية، كانت مشحونة بـ500 كلغ من المواد الناسفة، ولو تمّ نسفها لكانت حصلت أمور عسكرية معقدّة، لكن الجيش السوري استطاع إنهاء نسفيات الجسور واجتياز ها والدخول إلى عمق جسر الشغور وإكمال المهمّة العسكرية في البلدات التي تقع حول جسر الشغور، حيث ما يزال هنالك مسلّحون يقاتلون ضد الجيش السوري. الكلام عما حصل في جسر الشغور، حسب مصادر إعلامية سورية، أن السلاح جاء قسم كبير منه إلى سكان بلدة جسر الشغور من تركيا، وإذا كان هذا الأمر صحيحاً، فإن تركيا التي زوّدت مسلّحين بسلاح تم استعماله ضدّ الجيش السوري، فإن الأمر يكون خطيراً . أما سوريا فاجتازت التحدّي الأكبر، عبر إنهاء ملف مدينة جسر الشغور والمدى الذي حولها، رغم مآسي اللاجئين الذي وصل عددهم إلى عشرة آلاف نازح لجأوا إلى الأراضي التركية.
} الهدف إضعاف سوريا }

سوريا تجتاز أزمات عنيفة وكبيرة، منها ما يستهدف الإصلاح وتغييرات في بنية الدستور والنظام، أما البند الأخطر فيتعلّق بدور سوريا في المنطقة وإضعافها وإغراقها في مشاكل داخلية تؤدي إلى قطع العلاقات السورية، أو إضعاف هذه العلاقات بأطراف مقاومة مثل حزب الله وحركة حماس ومع إيران، إضافة إلى علاقاتها مع أطراف فاعلة على الساحة العراقية، وبالتالي سيكون أمامنا شهر كامل لمعرفة نتائج وضع سوريا والتحدّي الكبير. لكن يبدو، من المعلومات التي وردت من دمشق، أن المسؤولين السوريين باتوا مرتاحين للوضع ومسيطرين عليه، خاصة من الناحية العسكرية، سواء في منطقة درعا على حدود الأردن إلى مدينة تلكلخ على الحدود اللبنانية، إلى مدينة جسر الشغور على الحدود التركية. أما الحدود الأردنية والحدود العراقية، فليس هناك من مشكلة لسوريا في هذا المجال، فعلاقة سوريا مع الأردن جيّدة، والأردن لم يدخل طرفاً لدعم أي جانب معارض داخل سوريا كما حصل سنة 1981 . أما بالنسبة للعراق، فسوريا لها نفوذ داخل العشائر والقبائل والمدن هناك، وخاصة في الموصل بشكل يجعل حدودها مع العراق آمنة ومسيطراً عليها. أما بالنسبة للبنان، فهو ليس مصدر خطر على سوريا، ولا مؤامرات من لبنان ضد ّ سوريا، فالسلطة العسكرية اللبنانية تضبط الحدود مع سوريا، وعلى كل حال لا توجد أطراف تقوم بدعم المعارضة ضدّ النظام السوري في لبنان، رغم الحديث عن أموال وصلت من لبنان إلى المتمرّدين في سوريا، وهذا الأمر يتطلب إثباتا أو توضيحاً أو تقديم معلومات فعلية في هذا المجال. يبقى شقّ العلاقات السورية التركية وما ذكرته أوساط إعلامية عن أن السلاح إلى مدينة جسر الشغور، جاء من تركيا، ثم التصريحات التي صدرت عن مسؤولين أتراك على رأسهم الرئيس التركي عبد الله غول، ورئيس الوزراء رجب الطيّب أردوغان اللذان تحدّثا بلهجة قاسية ضدّ سوريا، فتحدّث غول عن سيناريو سياسي وعسكري يتعلّق بمجريات الأحداث في سوريا، في حين أن الرئيس أردوغان انتقد البطء في الإصلاح، وسمّى العقيد ماهر الأسد، وانتقده شخصياً.
العلاقات السورية ـ التركية لفترة سابقة كانت ممتازة، ووصلت إلى حدّ التحالف، فلماذا انقلبت بهذا الشكل؟ إن الأسباب غير واضحة، ولم يحصل أمر يؤدي إلى سقوط التحالف السوري ـ التركي، على الأقل في العلن، ويجعل تركيا تنتقد سوريا بهذا الشكل. ستكون العلاقة السورية ـ التركية باردة في المرحلة القادمة إلى أن يحصل تقارب من جديد إذا التقى زعيما البلدين وبحثا الأمور. أما في الوضع الحالي، فإن تركيا أعلنت عن نوايا سيّئة تجاه سوريا بالنسبة لأحداثها الداخلية، ولم تظهر تركيا كحليف لسوريا تدعمها في مجال الأزمة التي تعيشها. نعود إلى سوريا والتحدّي الكبير، فإن الصراع يجري مع أميركا وفرنسا وبريطانيا، والأعنف في هذا المجال هو الموقف الفرنسي البريطاني من سوريا، حيث قدّمت فرنسا وبريطانيا مشروعاً لمجلس الأمن لإدانة سوريا، ولولا الـ«فيتو» الصيني والروسي، لكانت فرنسا وبريطانيا سارتا في اتجاه معاد لسوريا، وأدانتا النظام السوري عبر مجلس الأمن، ومهّدتا لقرارات دولية ضد سوريا. على كلّ حال، فإن معلومات ترد من لندن وباريس، عن أن القرار الاتهامي بشأن اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري بات قريباً، ويقول مسؤول ايطالي أن القرار الاتهامي سيصدر في نهاية حزيران، وباريس ولندن تحضّران، مع صدور القرار الاتهامي، للتحرّك مجدّدا ضدّ حزب الله وضد سوريا. هذا هو التحدّي الكبير أمام سوريا، التي ستحاول الدول الغربية والأوروبية وضعها وحزب الله بموقع المتهمين، وموقع بحث الأمر في مجلس الأمن الدولي. أن كلّ ذلك يجري ضمن مخطّط كبير يهدف إلى فكفكة الجبهة الشرقية المواجهة لفلسطين المحتلّة، وهي لبنان وسوريا والعراق والأردن، فإذا كان وضع العراق مقسّماً، ولا توجد فيه سلطة حقيقية، فإن الأردن لن يدخل طرفاً، وبات بعد اتفاق وادي عربة خارج أي صراع مع إسرائيل، لذلك التركيز يتمّ على سوريا لإضعافها وإخضاعها للتسوية القادمة على المنطقة التي يجري التخطيط لها سواء على الجبهة السورية أو اللبنانية. في المعلومات التي تذكرها دائماً الصحف الإسرائيلية، أن الحرب مع حزب الله واقعة لا محال، وان إسرائيل تريد الانتقام من هزيمتها سنة 2006 في وجه حزب الله عبر استعمال خطة عسكرية جديدة هذه المرّة توصل إسرائيل إلى الانتصار على حزب الله، في حين أن حزب الله يعتبر نفسه قادراً على إلحاق الهزيمة بإسرائيل إذا تقدّمت عسكرياً وميدانياً على الأرض، كما أنه قادر على تحمّل القصف الجوّي من قبل الطيران الإسرائيلي، فيما هو قادر على ضرب شمال فلسطين المحتلّة بالصواريخ حتى تل أبيب، وإغلاق مطار بن غوريون ومرفأ تل أبيب في إسرائيل، وان لديه قدرة صاروخية على ضرب شمال فلسطين، لا بل ذهب السيد حسن نصر الله إلى القول بأنه إذا وقعت الحرب القادمة، فسيطلب إلى وحدات من حزب الله الدخول إلى الجليل في فلسطين المحتلة، والسيطرة على مواقع ضمن الجليل، وهو أمر خطير إذا حصل، وسيكون أكبر مفاجئة في تاريخ المنطقة، مع العلم أننا نرى أن الصراع سيكون صاروخيا وقصف طيران، ومحاولة تقدّم إسرائيلي على الأرض، مع مجابهة عنيفة من قبل حزب الله ضد هذا التقدّم، ومحاولة إلحاق خسائر في الآليات الإسرائيلية.

} الضغوط داخلية وخارجية }

سوريا أمام تحدّ كبير داخلي وخارجي، فعلى الصعيد الداخلي المطلوب، إنهاء ملف الإصلاحات بأقصى سرعة، ومحاورة أطراف سورية داخلية لا تريد إسقاط النظام، ولا تشكّل خطراً على البنية السورية. أما من الناحية الخارجية، فسوريا تواجه ضغطاً فرنسياً بريطانياً مدعوماً أميركيا لإضعافها، تمهيداً لإدخالها في التسوية الإسرائيلية للمنطقة بعدما أصبحت مع حزب الله وحركة حماس القوّة الرئيسية الباقية في وجه إسرائيل، وهنا التحدّي الأكبر، إذا نجحت سوريا في تخطّي الضغوط الخارجية والمؤامرات، تكون قد رسمت لنفسها لمدة عشر سنوات على الأقل، سياسة قوية في المنطقة العربية، وداخلياً ومشرقياً وفي وجه إسرائيل ولندن وباريس وواشنطن. أما إذا لا سمح الله استمرّت الاضطرابات في سوريا، وأبقت المؤامرة سوريا في مشاكل داخلية، فإن خطّة المؤامرة ضد سوريا لإخضاعها تكون مستمرّة في إشغالها دائماً في المشاكل الداخلية التي هي واجهة لضغوطات خارجية كبيرة على سوريا.

الديار 23 حزيران 2011 - Tuesday, June 14, 2011 - 11:36 PM

0 تعليقات::

إرسال تعليق