الثلاثاء، 14 يونيو، 2011

لهذه الأسباب يتآمرون على سوريا...!

يبدو أننا نعيش زمناً نعاني به ومعه تُخمة من المصطلحات حتى حدود التقيؤ، فهذا مصطلح الشرق الأوسط الذي ولد في القرن الماضي على أيدي الفرنسيين والبريطانيين ليكون بديلاً عن المشرق العربي، أخذ حُلةً جديدة وبات يُعرف بالشرق الأوسط الجديد حيث شاع خبره مع تفاقم الهجمة الأميركية البوشية وما تلاها من تداعيات على الوطن العربي المضرج بدمائه.
ولعل المتابع للمشاهد المتتالية من أفغانستان إلى العراق ... يلاحظ القدرة الترويجية الهائلة للدعاية والإعلام الموجه الذي يمهد لعمل عسكري ميداني، ولأن الهدف الأميركي اليوم هو سوريا التي لن تتغير لكنها حتماً ستضاعف مقاومتها.
اعتبرت الإدارة الأميركية أنها قادرة على ضرب العمود الفقري لما تبقى من الأمة العربية المنقسمة على نفسها عبر إنزال ضربات قاسية بالجسم العربي السوري الممانع وإرغام قيادته على توقيع اتفاق استسلام بشروط صهيونية وبمباركة أميركية، تكون فيه جزيرة قطر وإخوانها أشباه الدول الخليجية الراعي الرسمي لإخراج سوريا من خط المقاومة إلى نهج الاعتدال المقنّع الذي يخفي الذل والهوان والتنازل عن الحقوق والكرامات.

آلية الحرب على سوريا

أولاً: الحرب الإعلامية الدعائية الكاذبة

استغل الغرب مجموعة الانتفاضات الشعبية التي تجتاح المجتمع العربي لتؤسس لحالة نفسية تتقبل التغيّر وتؤثر بشكل عالٍ جداً بالبنية الاجتماعية والحراك الشعبي وتركب فلك موجة التغيير تحت عناوين ومسميات ظاهرها حق وفعلها باطل، فروجت الماكينة الإعلامية الأميركية أفكار القتل والتخريب والتحريض المذهبي، وعملت على تأليب جماعات إسلامية متطرفة على النظام السوري العلماني الوحيد في المنطقة مستخدمة لهذا الفعل تجنيد مجموعة من المحطات الإعلامية (الجزيرة – العربية ... وبعض المجلات والصحف وشراء ضمائر بعض الكتاب ومنتحلي صفة مفكرين "عرب" وشهود زور (عيان) وإطلاق فتاوى على غرار ما فعله الشيخ يوسف القرضاوي مستخدمين كل الوسائل النفسية المدروسة بعناية فائقة في أروقة الاستخبارات الأميركية صاحبة الخبرة بهذا النوع من الحرب مستهدفين الورقة الأقوى من أوراق القدرة السورية النوعية ألا وهي (الوحدة الوطنية) وقد استفاد العدو من نقاط الضعف الموجودة في الإعلام السوري الذي لم يتعود على هذا النوع من الحروب القاسية والمفاجئة، وقلة من ضعاف النفوس والخارجين عن القانون (المجرمين)، إلا أن تأثيرات وتداعيات هذه الحرب بالرغم من خطورتها وصعوبتها لم تستطع النيل من ثقافة الشارع السوري بتكويناته الطائفية والسياسية لأنه شكّل عبر التاريخ الحاضن الأساسي للفكر الوحدوي القومي العربي والرافع الأقوى لمشاريع التحرر ومقاومة الغزاة والطامعين ولم يتخلَّ عن رؤى ونهج حافظ الأسد المستند إلى عقيدة القومية العربية والدولية المدنية، ولن تترك أخلاقيات وأدبيات ثورة آذار التي ازدهرت في عهد الدكتور بشار الأسد وتجلّت بأروع صورها نحو الانفتاح والتعددية والحوار والمَأسسة، فكانت المدن والمحافظات الكبرى مثل حلب 6 مليون نسمة ودمشق وريفها 8 مليون والسويداء 800 ألف ودرعا وريفها أكثر من مليون ودير الزور وطرطوس والرقة 400000 واللاذقية وبانياس وحمص وحماه وتضم أكثر من 5 ملايين كلها مع الرئيس الأسد صاحب المدرسة المقاومة والممانعة، وأن مَن تحرّكوا، هم بضع مئات في بعض المحافظات، يستغلّون صلاة الجمعة من كل أسبوع للتحرّك في مساحة ضيقة أمام الجوامع.
وكان هناك تقدم واضح لمحافظة السويداء التي تقطنها الأغلبية من الموحدين الدروز ونسبة جيدة من المسيحيين الذين اعتبروا أنهم مستهدفون في مشروعهم الوطني والقومي الرافض للفتنة وتفتيت المجتمع، وكذلك في وجودهم باعتبارهم أقليات لا تتعايش مع الأنظمة الرجعية والدينية المختلفة، مما جعل التوازنات الداخلية جميعها تصب في مصلحة المشروع الوطني والقومي وفي المقدمة أبناء الطائفة السنية المنفتحين الثوريين والعروبيين، وهذا ما استدعى للانتقال للمرحلة الثانية من الخطة المرسومة بدقة من المخابرات الأميركية - الإسرائيلية – وبعض الدول العربية والإقليمية وأدواتهم الصغيرة وعلى وجه الذكر لا الحصر "تيار المستقبل اللبناني وقطر وغيرهم".

حرب الدم

قامت مجموعات وخلايا إرهابية مسلحة ومجهزة بأحدث الأسلحة القادمة من لبنان والأردن وتركيا بتجنيد عدد كبير من المرتزقة من مختلف المناطق معتمدة على التحريض المذهبي واستغلال الجهل وغسل الأدمغة في الجوامع من قبل مشايخ الفتنة.
اتخذت المجموعات الفتنوية والتخريبية من الجوامع ملاذاً ومنطلقاً للقيام بأبشع أنواع الجرائم بحق الجيش العربي السوري وقواه الأمنية وترويع المدنيين والتشويه بجثث الشهداء حسب المحافظة التي ينتمون إليها أو المذهب الذي يعتنقونه.
كان الهدف من اتخاذ الجوامع مركزاً رئيسياً للمجموعات الإرهابية هو إعطاء البعد الطائفي للمعركة، واستغلال حرمة المقدسات باعتبار أن الجيش لن يدخل إليهم وإذا فعلها سوف تقوم الدنيا عليه.
لكن هذه الحرب لم تنفع مع وعي الشعب السوري وجيشه العقائدي فتحول العطف الاجتماعي السياسي لصالح الجيش والرئيس، وهذا ما عبّر عنه المجتمع السوري بأسره عندما طلب تدخل الجيش وضرورة الحسم وضرب الإرهابيين بقوة.
لازم حرب الدعاية والدم، موجة إشاعات كان آخره تقرير وكالة الطاقة الذرية، حول احتمال أن يكون "الموقع المشبوه" الذي قصفته الطائرات الإسرائيلية في سوريا مفاعلاً نووياً، واستعمال مؤسسات الوصاية الدولية للتهويل والتهديد لإرغام الرئيس الأسد على الموافقة على سلة الشروط الإسرائيلية، إلا أن بشار حافظ الأسد الذي لا يساوم راهن على:

1 – الوعي السياسي الاجتماعي الذي يميّز الشعب العربي السوري.
2 – إمساك سوريا لمفاتيح لعبة الاستقرار الإقليمي.
3 – وقوف مجموعة كبيرة من الدول والأحزاب والمؤسسات إلى جانب الحق السوري.
4 – تقاطع المصالح السورية – الروسية في الحرب على الجماعات الأصولية – الانفصالية المدعومة من الاستخبارات الأميركية والسعودية.

الصراع الاستخباري السعودي – الروسي من القوقاز إلى لبنان

وأدّى تورّط المخابرات السعودية في الشأن الداخلي اللبناني الذي أصبح يهدّد لبنان في المزيد من المواجهات الاستخبارية والعمليات السرية المتوقع حدوثها خلال الفترة القادمة على خلفية توتر العلاقات والمواجهات على خط موسكو – دمشق – طهران من جهة وواشنطن وحلفائها من جهة أخرى ولا سيما أنه وبعد تفكّك الإتحاد السوفياتي حيث سعت الحركات الوهابية السعودية والحكومة السعودية إلى دعم الحركات الانفصالية السنّيّة المنتشرة في مناطق عبر القوقاز، وذلك لجهة مساعدتها ودعمها في الانفصال عن روسيا وتكوين دول أو إمارات إسلامية وعلى وجه الخصوص في مناطق الشيشان وأنفوشيا وداغستان وأداييجا الشركسية وتقول المعلومات أن مخطط انفصال هذه المناطق هو بالأساس مخطط وضعته وكالة المخابرات المركزية الأميركية ودفعت به الإدارة الأميركية للسلطات السعودية لكي تقوم بالإشراف على تمويله وتنفيذه وفقاً للمخطط الأميركي.
ولكن، بسبب الحملات العسكرية الروسية ضد مناطق القوقاز الشمالي تدهورت أوضاع الميليشيات الإسلامية المسلحة، وأصبحت المخابرات السعودية ووكالة المخابرات الأميركية تسعى جاهدة من أجل البحث عن الملاذات الآمنة لها.

لبنان: الملاذ السعودي الآمن للشيشان

تقول التسريبات أن المخابرات السعودية لعبت دوراً تنسيقياُ في القيام باستخدام الساحة اللبنانية كملاذ آمن للعناصر الشيشانية وتقول التسريبات أيضاً أن وكالة المخابرات المركزية الأميركية تعاونت مع المخابرات السعودية، وتشير الاستنتاجات والتوقعات إلى أن لبنان سيشهد مواجهة سرية بين المخابرات الروسية من جهة والأميركية والسعودية من جهة أخرى إضافة إلى أن تيار المستقبل وزعيمه سعد الحريري وزعماء الحركات الأصولية السنية الإسلامية سيكونون متورطين بالضرورة في توفير الملاذ الآمن للعناصر القوقازية طالما أن الحريري وبقية زعماء السنّة قد درجوا على القيام بدور البروكسي السعودي داخل الساحة السياسية اللبنانية!

الموقف الإقليمي

لم ينقطع حلم إعادة إقامة الإمبراطورية العثمانية يوماً عند الأتراك الذين حكموا الأمة العربية تحت غطاء الإسلام 400 عامٍ تقريباً، وهذا الحلم بحاجة إلى بوابة يعبرون من خلالها لمشاعر العرب والمسلمين، فكانت غزة البوابة الإعلامية، وسوريا البوابة الفعلية على المستوى الميداني – العسكري والسؤال المطروح: لماذا تسمح الولايات المتحدة لتركيا بلعب هذا الدور الإقليمي المنافس لها في نهب خيرات الأمة؟
تبدو الإجابة سهلة كون الإدارة الأميركية تبحث عن دولة دينية "سنّيّة " تضعها بمواجهة الجمهورية الإسلامية الإيرانية مستفيدة من الطائفية والمذهبية العربية المتخلّفة، فكان الدور التركي المشبوه والراعي للإخوان المسلمين والمدافع عنهم والحاضن لمؤتمراتهم ضد سوريا.
لكن السيد أردوغان نسيّ أمراً مهماً في لعبة شد الحبال مع شبل تربى مع أسده على حنكة ودقة هذا النوع من الألعاب ومدى الإمكانية السورية في ضمان استقرار أو زعزعة المنطقة بأسرها، ولم يتنبّه أردوغان أن أنظار حزب العمال الكردستاني تتجه لإقامة حلمهم الكبير بدولة ذات كيان مستقل، ووحدها سوريا قادرة على شد حبال هذه اللعبة كيفما تشاء وأخذ النصيحة بعدم التدخل بعرين الأسود.
كما أن الكيان الصهيوني يتربص للانقضاض على النظام السوري العلماني المقاوم والداعم الرئيسي لجميع حركات المقاومة والتحرر، إلا أن ساسة العدو يعرفون جيداً مخاطر ومحاذير اللعب في الوقت الضائع، لأن لدى القيادة السورية مجموعة كبيرة من الأوراق التي تحتفظ بها للحظة الصفر التي أتُخذ القرار فيها، لكن موعدها لم يحدّد، وقد يضطر الأسد لتحديده بشكل مفاجئ مما يقلب الطاولة في منطقة الشرق الأوسط.
إن الزحف الجماهيري – الشعبي العفوي نحو فلسطين المحتلة والجولان وجنوب لبنان يشكّل وبلا شك رسالة واضحة المعالم للعدو وللكلام بعد 5 حزيران 2011.
ولعبت قطر بما تمثل قطر من حاملة طائرات ومشاريع إسرائيلية تنطلق منها عمليات الغزو الإعلامي والعسكري ولا دور لها كونها قاعدة فقط، لكن هل سوريا قادرة على نقل لعبة الشعب يريد الحرية إلى الداخل القطري والخليجي؟ إن الأسابيع القادمة كفيلة بالإجابة على هذا السؤال.

الملف الأميركي في العراق

ويشكّل الوجود العسكري الأميركي في العراق خطراً شديداً على أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط كونه احتلالا عسكرياً مباشراً لأرض عربية، ولعل الخلاف الجوهري بين الأسد والإدارة الأميركية يكمن في رفض الأسد لشرعنة احتلال العراق كما فلسطين ودعمه للمقاومة العراقية الباسلة.
وهنا يسأل البعض هل تستطيع الإدارة الأميركية أن تحمّل تداعيات حربها على سوريا؟ إن اللبيب من الإشارة يفهم وعودة العمليات العسكرية ضد الجيش الأميركي بداية نهاية المشروع المنهار أصلاً.
لقد تجاوزت سوريا أكثر من 70 % من الأزمة، لكن الأكيد أن الحرب على سوريا لم تتوقف يوماً ولن تتوقف، وسنشاهد خلال الأسابيع القادمة تحركاً دولياً من خلال المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، ووكالة الطاقة الذرية ومجلس حقوق الإنسان، إضافة إلى حصار اقتصادي، وتشويه إعلامي.
وحتى تستطيع سوريا فرض شروطها في مكان ما ستغيّر قواعد الاشتباك وهنا لا بد من التأكيد أن النصر على المشروع الأميركي – الإسرائيلي – الخليجي حتمي والوقت كفيل بإظهار صوابية خياراتها بالمقاومة والممانعة.

ماهر سري الدين - منبر التوحيد - 2011 - 06 - 13 | 9:30 am

0 تعليقات::

إرسال تعليق