السبت، 7 مايو، 2011

دراسة لقانونيين عن "الشاهد الزور"


دراسة لقانونيين عن "الشاهد الزور"


المشترع استدرك ضرره تجنباً لسوء استعمال شهادته وتسامح معه بالإفلات من العقاب إذا تراجع عنها

كثر الحديث أخيراً عن موضوع للشهود الزور. فمن هو الشاهد الزور في نظر القانون؟ كيف عرّفه القانون اللبناني؟ ما هي العناصر المكوّنة للجرم؟ من يحاكمه؟ أين تجري المحاكمة؟ من هو صاحب الصفة بالإدّعاء؟ هل يجوز التعويض عند تحقّق عناصر الجرم؟ ماذا يقول الاجتهاد؟
أعدت "الجمعية اللبنانية للقانون الجزائي" بالتعاون مع مكتب مدكور للمحاماة دراسة حول مسألة "الإفادة الكاذبة" تبيّن المعايير القانونية التي تحكم عقوبة الشهادة الزور والأصول الواجب إتباعها لإنزال تلك العقوبة المنصوص عليها في القانون اللبناني.
وإذ أشارت في مقدمها إلى أن الشهادة تعتبر من أبرز وسائل الإثبات المعتمدة في القانون الجزائي والمدني معاً ولها دور مؤثر وأساسي في النتيجة التي قد تؤول إليها المحاكمة"، قالت إنه"تجنباً لاستعمالها (الشهادة) في غير موضعها الصحيح، خصّص لها المشترع العديد من المواد في قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية، مستدركاً الضرر الذي قد تتسبّب به من تضليل للعدالة وإضرار بالمجتمع والأفراد الذين قد يدانون بالاستناد إليها، ومتسامحاً بشكلٍ لافت عندما أعطى للشاهد الحق في الانسحاب والرجوع والإفلات من العقاب خلال مراحل مهمة من التحقيق".
وذكرت أن "المواد 408 و409 و410 و411 من قانون العقوبات اللبناني عرّفت تحت الفصل الأول من الباب الرابع في "الجرائم المخلة بسير القضاء" شاهد الزور على أنه هو من شهِد أمام سلطة قضائية أو قضاء عسكري أو إداري فجزم بالباطل أو أنكر الحق أو كتم بعضا أو كلا مما يعرفه من وقائع القضية التي ُيسأل عنها وأنزلت به عقوبة الحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات وإذا أدت الشهادة الزور في أثناء تحقيق جنائي أو محاكمة جنائية قضي بالأشغال الشاقة عشر سنين على الأكثر.
وإذا نجم عن الشهادة الكاذبة حكم بالإعدام بعقوبة مؤبدة فلا تنقص الأشغال الشاقة عن عشر سنين ويمكن أن تصل إلى 15 سنة. إذا كان المجرم قد استُمع من دون أن يؤدي اليمين خفض نصف العقوبة.
كما لحظ قانون العقوبات إعفاء الشاهد الذي أدّى شهادة أثناء التحقيق من العقوبة إذا رجع عن الإفادة الكاذبة قبل أن ُيختم التحقيق، كما أُعفي الشاهد الذي شهد في أية محاكمة إذا رجع عن قوله قبل أيّ حكمٍ في أساس الدعوى ولو غير مبرم، أما الشاهد الذي يتعرض، إذا قال الحقيقة، لخطرٍ جسيم له مساس بالحرية أو الشرف أو يعرض له أقرباءه فيُعفى أيضاً من العقاب. (...) أما إذا عرَضت الشهادة الزور شخصاً آخر لملاحقة قانونية أو لحكمٍ خفضت العقوبة من النصف إلى الثلثين. كما ُيخفض نصف العقوبة عن الشخص الذي ُأديت الشهادة الزور بتحريضٍ منه إذا كان الشاهد يعرّضه حتماً لو قال الحقيقة أو يعرّض أحد أقربائه لخطرٍ جسيم كالذي أوضحته الفقرة الأولى من المادة "410.



إنّ المواد المتعلقة بالإعفاء من عقوبة الشهادة الزور لا تنفي عن الفعل صفته الجرمية كما لا تنفي وقوع الجرم إذ أنه قد ظهر إلى العلن والواقع، وتحققت كل أركانه وعناصره، إلاّ أنّ المشترع قد أعفى الجاني من العقوبة المفروضة عليه في حال تحقّق الحالات الحصرية التي ذكرها في المواد الآنفة الذكر، مع العلم أنّ كلّ حالة منها يمكن أن تتضمن في طياتها العديد من الصور التي تندرج تحت الإسناد القائم عليها.
أ - انطلاقا من هذه المبادئ القانونية الراسخة والمستقر اعتمادها من المحاكم اللبنانية يقتضي التوقف عند النقاط الآتية:
- ما هو إمكان معاقبة الشاهد الذي أدلى بإفادة يصرّ على اعتبارها صحيحة في كل مراحل المحاكمة في غياب إثبات عكسها من المدعي والنيابة العامة؟
- وما هو إمكان معاقبة الشاهد الذي أدلى بإفادة وتراجع عنها قبل أن يختم التحقيق أو قبل صدور أيّ حكم في أساس الدعوى؟
- وما هو إمكان معاقبة الشاهد الذي لأسباب عديدة أثبت جدياً تعرضه للضغوط التي حالت مانعاً دون قول الحقيقة؟
ما هو إمكان معاقبة الشاهد الذي يتمتع بحصانة معينة كالسرية مثلاً أو صفة خاصة أو عامة تخوله قانوناً عدم الإدلاء بالشهادة، فأفضى بها وأصبح بمنأى عن الملاحقة؟
إنّ هذه النقاط المثارة إن دلت على شيء فعلى صعوبة إنزال العقوبة في ظلّ نصوصٍ آمرة لا تزال قائمة ونافذة وواجبة التطبيق أعطت الشاهد طريق انسحاب ورجوع إلى حدّ تبرئة نفسه من ارتكاب جرم وأعفته من موجب تعويض عن ضررٍ لم تلحظه المادة 408 عقوبات.
ب - في أصول الملاحقة الجائزة في كل مراحل الدعوى وصفة المدعي:
إن قانون أصول المحاكمات الجزائية نصّ على آلية لملاحقة الشاهد الذي أدلى بشهادته زوراً أمام السلطات القضائية مخصصاً لها العديد من المواد القانونية أبرزها المادتان 89 و92 منه اللتان وردتا تحت الفصل الثالث من الباب الأول "إجراءات التحقيق" مجيزاً لقاضي التحقيق إحالة المحضر الذي دوّنت فيه إفادة الشاهد الذي جزم بالباطل على النيابة العامة الاستئنافية لتلاحقه بجريمة شهادة الزور المنصوص عليها في المادة 408 من قانون العقوبات. وحرص المشترع على عدم إعفاء الشاهد من الإدلاء بإفادته إلاّ إذا أثبت أنه ملزم قانوناً حفظ السر معطياً لقاضي التحقيق الحق بعد أن يستطلع رأي النيابة العامة الاستئنافية باتخاذ قرار معلل بردّ تذرّع الشاهد بالسرية في حالات خاصة.
كما قيّد المشترع كلّ شخص توافرت لديه معلومات تنير التحقيق أن يبادر إلى الإدلاء بشهادته أمام قاضي التحقيق. وإذا لم يفعل تنزل به غرامة تراوح بين مئة ألف ومائتي ألف ليرة تستوفى منه على النحو الذي تستوفى فيه الأموال الأميرية. إذا كان من شأن هذه المعلومات أن تثبت براءة المدعى عليه فيلاحق من يتخلف عن الإدلاء بها أو تقديم الأدلة عليها بمقتضى المادة 567 المعدلة من قانون العقوبات.
ومن المفيد أن يسلّط الضوء في ظلّ السجالات القائمة على أن ملاحقة الشاهد الذي أدلى بشهادة كاذبة جائزة في جميع مراحل المحاكمة وهو مبدأ كرّسه قانون أصول المحاكمات الجزائية عندما أناط هذه الصلاحية بكل من النيابة العامة الاستئنافية وقاضي التحقيق بالنسبة إلى المرحلة الأولية والاستنطاقية من الشكوى بموجب المادتين 89 و92 منه، كما أناط بالقاضي المنفرد الجزائي بموجب المادة 188 منه بوضع الشاهد الذي يدلي بإفادة زور في نظارة المخفر ويضع تقريراً يرفعه إلى النائب العام في هذا الشأن على أن يلاحق هذا الشاهد من النائب العام بجرم الشهادة الزور وفقاً للأصول.
وتأكيداً لجواز الملاحقة في جميع مراحل الدعوى نصّت المادة 261 أ. م. ج. على أنه لرئيس محكمة الجنايات إذا ظهر له تباين أو تغيير بين شهادة الشاهد وبين أقواله في التحقيق الأولي أو الابتدائي أن يأمر كاتب المحكمة بتدوين ذلك في محضر المحاكمة.
كما أنّ المشترع أناط حق طلب توقيف الشاهد إضافة إلى رئيس المحكمة بكلّ من المدعي الشخصي وممثل النيابة العامة والمتهم الماثل في قفص الاتهام أو الفار من وجه العدالة، على أن يتولى ممثل النيابة العامة الإدّعاء عليه بالشهادة الزور وهي آلية تحقيق خاصة ودقيقة تحصل أمام محكمة الجنايات وتنسحب أصول الطعن بها إلى الهيئة الاتهامية ومحكمة التمييز، ويبقى جائزاً بحسب المادة 262 أصول جزائية وقف السير في الدعوى الأصلية إلى حين الفصل في دعوى الشهادة الزور.
إنّ المادة 408 من قانون العقوبات والمواد 89، 92، 188 و261 من قانون أصول المحاكمات الجزائية حددت الشخص المعني بها بعبارة "الشاهد" حصراً وهو الذي عادةً لا يكون فريقاً في النزاع الجزائي القائم، مما يحجب إمكان تطبيق هذه المواد على الإفادات الكاذبة المقدمة من المدعى عليه أو المدعي في الدعوى الأصلية. إذاً، كي تصح الملاحقة بمقتضى هذه المواد يجب أن يكون المعني بها يتمتع بصفة الشاهد ويشهد أمام سلطة قضائية فيجزم بالباطل بحيث أن المدعى عليه المعني بالتحقيق نفسه يبقى بمنأى عن الملاحقة بشهادة الزور، وعلى هذا الأساس استقرّ اجتهاد محكمة التمييز الجزائية.
ومن جهة أخرى، يجب التمييز، بين ملاحقة الشاهد في المرحلة الأولية من الشكوى أمام قاضي التحقيق والنيابة العامة وهي غالباً ملاحقة متسرعة لأنّ إثبات جرم الشهادة الزور يتطلب تأكيداً وتمحيصاً للقضية المعروضة من استجوابات وأدلة ومقارنة جميع المستندات المكوّنة للملف ولا سيّما في الجرائم الكبرى تمهيداً للقول أن ذاك الشاهد أعطى إفادة مزورة للتضليل والإساءة. وملاحقة الشاهد أمام المحكمة حيث تكون القضية في مرحلة متقدمة ويكون صدر في معرضها قرار ظني، إما اعتمد إفادات الشهود الذين قد يكون اعتبرهم خلال فترة التحقيق الأولي المدعي الشخصي أو النيابة العامة شهود زور مضللين للتحقيق، الأمر الذي ُيعطي تلك الإفادات صدقية بفعل اعتمادها من القرار الظني كأدلة مكملة للوقائع الجرمية المتسلسلة والمترابطة في ما بينها. وإما تهمل إفادات هؤلاء الشهود من القرار الظني لكونها غير مجدية للتحقيق وهذا لا يعني أنها حكماً شهادات تضليلية بحيث تبقى بهذا الموقع إلى حين قيام الدليل على أنها مزوّرة وباطلة وأعطيت للإساءة والضرر.
إنّ المحكمة الخاصة بلبنان بصفتها محكمة جنائية تطبق القانون اللبناني يقع من ضمن صلاحياتها وانطلاقاً من أحكام المادتين 261 و262 من قانون أصول المحاكمات الجزائية وبعد صدور القرار الظني طبعاً أن تظهر التباين أو التغيير الحاصل بين شهادة الشاهد وأقواله في التحقيق الأولي أو الابتدائي فتأمر بتدوين ذلك في محضر المحاكمة على ألا يحق طلب توقيف الشاهد إلاّ لكلّ من رئيس المحكمة والمدعي الشخصي وممثل النيابة العامة والمتهم الماثل في قفص الاتهام أو الفار من وجه العدالة وتتولى النيابة العامة الإدعاء عليه بالشهادة الزور فيأخذ هذا الإدعاء طريقه السليم والقانوني.
إنّ المبدأ العام حَفظ لكلّ شخص يعتبر نفسه متضرراً من الشهادة الزور المدلى بها بالتقدّم بدعوى تهدف إلى إدانة الجاني ومطالبته بالتعويضات عن الأضرار التي لحقت به من جرّاء الإفادة الكاذبة وشهادة الزور، غير أنّ هذا المبدأ يصطدم بنص المادة 408 من قانون العقوبات التي لم تلحظ بوضوح آلية للتعويض، كما يصطدم بالإعفاءات العديدة من العقاب التي قد يستفيد منها الجاني قبل ثبوت ارتكابه للجرم أو بعده، إضافة إلى وجوب التوقف عند معيارين أساسيين
- الإدعاء بالشهادة الزور قبل صدور القرار الظني وهو أمر محكوم باعتبارات عديدة قد تتغير مع تقدّم سير المحاكمة ولا سيّما إمكان الإطلاع على الملف وتصويره بعد انتهاء المرحلة السرية بفعل صدور القرار الظني،
- والإدعاء بعد صدور القرار الظني والاتهامي وهي شكوى قد ترتكز على وقائع وأدلة ثبوت تجعل من المراجعة صائبة ودقيقة أو غير مجدية التقديم.
وجدير ذكره أنّ جرم المادة 408 لا ينتظر إدّعاء شخصياً لتحريك الدعوى العامة أيّ أن تحريكها ليس متوقفاً على الإدّعاء الشخصي وإن الدعوى العامة لا تسقط بسقوط الحق الشخصي.
أما في حال صدر قرار بوقف التعقبات عن الجاني (الشاهد الزور) أو عدم إدانته بجرم المادة 408 وفي حال لم تطعن النيابة العامة بالقرار فيكتسب قرار وقف التعقبات الصفة القطعية حتى ولو جرى الطعن به من المدعي الشخصي وإذ ذاك يكون المدعى عليه (الشاهد الزور) قد اكتسب حقاً نهائياً بالتبرئة فلا يعود بالإمكان إنزال العقوبة الجزائية به، غير أنه يبقى للمدعي الحق في المطالبة بالتعويض البدلي عن العطل والضرر في حال ثبوت اقتراف جرم شهادة الزور، وهي معايير مستقر اعتمادها من محكمة التمييز الجزائية ومرتبطة ارتباطا وثيقاً بملابسات كلّ قضية وواقعها وخصوصيتها.
ولجهة الشروط الواجب توافرها لتحقق جرم شهادة الزور والضرر الناتج منها، فيتوجب لتحقق جرم المادة 408 من قانون العقوبات توفر ثلاثة أركان في الفعل، الركن القانوني والركن المادي والركن المعنوي، ويتمثل الركن القانوني بوجود نص يدين الفعل المرتكب سنداً إلى شريعة لا عقاب من دون نص بحيث يتحقق هذا الشرط بتوافر المادة 408 عقوبات، كما يتوافر الركن المادي في الفعل الذي يقدم عليه المجرم من خلال تأدية الشهادة أمام مرجع قضائي مهما كان نوعه أو فئته وتأكيد ما هو باطل، أو إنكار الحق، أو إخفاء المعلومات، أما الركن المعنوي فيتمثل في اتجاه إرادة الجاني إلى إتمام الفعل الجرمي المتمثل بالشهادة الزور بإرادته كاملة وهو على يقين بأن الفعل هو مجرَم سنداً إلى قانون العقوبات اللبناني، كما هو عالم بأن ما يدلي به من شهادة هي باطلة ولا صحة لها في الواقع.
وكما في كل الجرائم في حال تخلف ركن واحد من أركان هذا الجرم تنتفي معه الصفة الجرمية عن الفعل، ومثال ذلك أن يدلي أحدهم بشهادة غير صحيحة أمام مرجع قضائي إلاّ أنه لم يكن يعلم أن ما يدلي به هو أمر باطل ولا صحة له وكان يعتقد عن حسن نية أن ما يقوله هو الحقيقة التي يعرفها، الأمر الذي ينتفي معه الركن المعنوي لعدم علم الشاهد بالإدلاءات الباطلة ولعدم وجود نية وإرادة لديه تتجه إلى إتمام الفعل الجرمي فلا تندرج شهادته في هذه الحال تحت أحكام جرم المادة 408 عقوبات وعلى من يدّعي العكس أن يثبت مدعاه سنداً إلى المادة 132 من قانون أصول المحاكمات المدنية التي تلقي عبء الإثبات على من يدّعي الواقعة: "يقع عبء الإثبات على من يدعي الواقعة أو العمل".
وهذا ما استقرّ عليه اجتهاد محكمة التمييز الجزائية التي أكدت أنّ الجرم المنصوص عليه في المادة 408 من قانون العقوبات لا يقوم إذا لم تتوافر الأدلة على أن ما أدلى به الشاهد في إفادته أمام المرجع القضائي مغاير للحقيقة التي يعرفها أو متصفاً بالكذب ويهدف إلى الإضرار بالغير، وأنّ عبء الإثبات، في هذه الحال، يقع على عاتق الجهة المدعية والنيابة العامة التي قُدمت أمامها الشكوى.
إنّ هذا المبدأ يدعو إلى التساؤل حول صواب ملاحقة أيّ مدعى عليه في شهادة زور يؤكد أقواله إنها باعتقاده صحيحة وفقاً لما يعرفها عند الإدلاء بها ولم تتوافر الأدلة على أن ما أدلى به في إفادته أمام المرجع القضائي مغاير للحقيقة التي يعرفها.
بالنسبة إلى الضرر وتعيين مقداره، فالمادة 408 عقوبات لم تشترط وقوع أيّ ضرر لتحقّق الجرم بالشهادة الزور، وهذا ما استقرّ عليه اجتهاد محكمة التمييز الجزائية على اختلاف هيئاتها.
إنّ تعيين مقدار الضرر بعد التثبت من وقوعه فعلاً ومن صفة المدعي بالإدعاء ومن المرحلة التي تقدّم بها بشكواه تبقى خاضعة لاعتبارات كلّ قضية ولتقدير القضاء والمقصود بالقضاء هي المحكمة المختصة (قاضي منفرد جزائي، محكمة جنايات، استئناف الجنح) ذات الصلاحية بتقرير الضرر والإلزام بالتعويض بحيث أنه وإن طلب المدعي في شكواه من النيابة أو من قاضي التحقيق تقرير التعويض فتبقى من صلاحية المحكمة تقرير ذلك.
في الخلاصة، إنّ المشترع اللبناني لحظ بوضوح آلية لملاحقة ومعاقبة مرتكب جرم شهادة الزور في أيّ مرحلة كانت عليها المحاكمة ومنها المحاكمة الجارية أمام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، إنما لحظ في الوقت عينه وبشكل ملفت وسائل متعددة تتيح لشاهد الزور الإفلات من العقاب.
ويبقى السؤال مطروحاً:
ما هي إمكانية ملاحقة الشاهد الذي قد تعتمد شهادته من القرار الظني أو الاتهامي؟ وهل يبقى شاهد زور؟
ما هي صفة أيّ مدعي شخصي يتخذ صفة الإدعاء الشخصي بعد صدور القرار الظني أو الاتهامي طالما حدد القانون الأشخاص الذين يحق لهم طلب توقيف الشاهد في هذه المرحلة وهم رئيس المحكمة والمدعي الشخصي وممثل النيابة العامة والمتهم؟
ما هو إمكان معاقبة الشاهد الزور الذي وإن ثبت اقترافه الجرم تراجع عن أقواله أو أثبت تعرضه للضغوط أو خلافها من حالات الإعفاء المنصوص عليها قانوناً؟
وما هو إمكان إلزام الشاهد الزور التعويض الفعلي والدقيق عن الضرر النازل بأيّ متضرر طالما استفاد من الإعفاءات المنصوص عليها قانوناً؟
وما هو إمكان التعويض عن الشاهد الزور الذي لوحق وأوقف وهو يستفيد من إحدى الإعفاءات المنصوص عليها قانوناً؟
إنها أسئلة برسم ورشة عمل جديّة وحقيقية لقانون العقوبات وأصول المحاكمات الجزائية لتصحيح الشوائب التي تعتريهما.
يبقى السجال قائماً وإن كان غير منتج في مواجهة القانون.

كلوديت سركيس - النهار 24 سبتمبر 2010,

عدم دستورية طرح ملف شهود الزور في مجلس الوزراء 

مجددا يبدو أننا على موعد مع فصل جديد من فصول شل قوى "8 آذار" لسير المرافق العامة وتعطيل الحياة الدستورية في البلاد كما فعلوا في العام 2006 ، بدأ بشل العمل الحكومي إلى حين البت بملف شهود الزور... ومجددا نجد أنفسنا كقوى أكثرية في "14 آذار" أمام مطرقة التنازل وسندان شل الدولة التي هي بالنسبة إلينا بمثابة أم الصبي...

إن اخطر ما نجم عن اتفاق الدوحة في شقه الدستوري – مع الاحترام والتقدير للجهود القطرية والعربية والدولية التي رافقت وساهمت في إنجاح مؤتمر الدوحة في شقه السياسي – هو أنه انبثق منه نظام – بدعة دستورية متمثلة في تكريس أعراف عدة مخالفة للدستور والنظام اللبناني وفي طليعتها الثلث المعطل لقوى "8 آذار" بصورة جامدة ونهائية وحصرية بهم ومن ورائه إيجاد آليات شل وتعطيل دائم لعمل الحكومة وسير أعمال الدولة عند أي خلاف في أي ملف من الملفات الوطنية الخلافية.

فخلافا لنص المادة (95) من الدستور التي اكتفت بتشكيل الوزارة بصورة عادلة بين المسلمين والمسيحيين وليس بين القوى السياسية ولا حتى على أساس الفرز الطائفي لتلك القوى - جاء اتفاق "الدوحة" ليعطي قوى "8 آذار" الأداة الدستورية الفتاكة التي تمنكهم اليوم وفي أي لحظة من ممارسة الضغط والابتزاز السياسي على رئيس الجمهورية أولا وعلى رئيس الحكومة ثانياً وعلى الحكومة مجتمعة ثالثاً إن هم لم يحصلوا على ما يريدونه وهذه الأداة هي: المقاطعة والانسحاب وشل الحكومة كي لا نقول فرض جداول الأعمال وإلا ...

علما أن من يضع جدول أعمال جلسات مجلس الوزراء هو رئيس الحكومة الذي أناطت به المادة (64) وحده وضع جدول أعمال مجلس الوزراء والدعوة إلى عقده على أن يطلع مسبقا رئيس للجمهورية على المواضيع التي يتضمنها وعلى المواضيع الطارئة التي ستبحث في الجلسة.

فملف شهود الزور كما هو مطروح حاليا من قبل قوى "8 آذار" ووزرائها في الحكومة هو ملف سياسي وليس من الملفات المتعلقة بمواضيع المادة (356) من قانون أصول المحكمات الجزائية (القانون رقم 328/تاريخ 7/8/2001 وتعديلاته ) والتي تحدد حصراً الجرائم الخاضعة لاختصاصات المجلس: فلا القضية تندرج تحت أحكام المواد المتعلقة بالبابين الأول والثاني من الكتاب الثاني من قانون العقوبات اللبناني (والمتعلقة بالجرائم الواقعة على امن الدولة) ولا تندرج تحت أحكام القانون 11/1/1958 – ولا هي من الجرائم الناتجة عن صفقات الأسلحة والأعتدة التي تبرمها وزارة الدفاع الوطني – ما يعني أن زج ملف شهود الزور خلافا للقانون يخفي حقيقة ما هو ابعد من المطالبة البريئة بإحالة موضوع شهود الزور إلى المجلس العدلي – لأن النصوص القانونية لا تعطي هذا الأخير قانونا سلطة النظر في هذا الملف.

أكثر من ذلك نلفت نظر الرأي العام إلى أن مجرد إصرار وزراء قوى "8 آذار" على طرح ملف شهود الزور على التصويت في مجلس الوزراء قد يؤدي إلى اعتبار أنه يشكل قرينة على اعتبار الموضوع بحد ذاته من اختصاص مجلس الوزراء في وقت لا النص القانوني ولا النص الدستوري يخولان مجلس الوزراء التصدي لموضوع شهود الزور لتقرير أي إحالة أو عدم إحالة بشأنه، لذا وبناء عليه نرى:

ألف: أن لا يتصدى مجلس الوزراء بموجب المادة (355) من قانون الأصول المحاكمات الجزائية إلا للقضايا التي تدخل ضمن اختصاص المجلس العدلي – ما يعني أن وضع الملف على طاولة مجلس الوزراء لبحثه بحد ذاته يعتبر خرقا للقانون، لأن موضوع شهود الزور ليس من المواضيع التي تقرر إحالتها أو عدمها بقرار الحكومة.

باء: إن بحث ملف شهود الزور على طاولة مجلس الوزراء يعتبر خرقا لمبدأ الفصل بين السلطات ولا سيما الفقرة (ه) من مقدمة الدستور التي نصت على أن "النظام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها" – ما يعني أن مجرد طرح موضوع شهود الزور على طاولة مجلس الوزراء يستدرج خرق الحكومة لمبدأ دستوري وقاعدة دستورية ثابتة لأنه يعد تدخلا غير دستوري في عمل القضاء ومنه القضاء الدولي الخاص بلبنان.

جيم: إن السير في التصويت داخل مجلس الوزراء سواء لرفض أو إحالة الموضوع إلى المجلس العدلي يخالف القانون والدستور في آنٍ، إذ أن تطرق مجلس الوزراء بحد ذاته إلى الموضوع يخالف قاعدة عدم اختصاصه للبحث في إحالة الملفات التي لا تندرج ضمن الجرائم المنصوص عليها في المادة (356) من قانون أصول المحاكمات الجزائية (وهي المادة التي تولي حصريا مجلس الوزراء حق إحالة الجرائم إلى المجلس العدلي )– فعلى مجلس الوزراء إعلان عدم اختصاصه فقط انسجاما منه مع النص الدستوري والقاعدة القانونية الحصرية من دون أي بحث أو تأجيل للبحث. ولا مجال لانقسام الرأي لأن "لرئيس الجمهورية بصفته رئيس الدولة يسهر على احترام الدستور وقوانين الدولة... أن يفصل وهو الحكم الأعلى بموجب الطائف والدستور في الموضوع – لان أي سير في طرح الموضوع للتصويت يخالف مبدأ عدم اختصاص الحكومة نفسه بغض النظر عن نتيجة التصويت". ويعتبر بالتالي مجرد طرح الموضوع في مجلس الوزراء بمثابة استدراج للحكم والحكومة للأخذ بنظرية اعتبار ملف شهود الزور من الملفات القضائية المعني بها المجلس العدلي ما يخلق سابقة خطيرة .

من هنا، تتجلى محاولات "حزب الله" وقوى "8 آذار" في تسييس موضوع قانوني ومحاولات جر الرئيس سليمان والحكومة إلى أماكن يصبحان فيها خارج الدستور وخارج القوانين. فالاختصاص للنظر بموضوع شهود الزور يفترض أن يكون من اختصاص القضاء الدولي أولا وهو الصالح فيه عملا بمبدأ أن "قاضي الأصل هو قاضي الفرع " ما يعني أن القضاء الدولي الناظر في ملف اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه هو المخول النظر في القضايا المتفرعة عن الملف الأساسي، وإلا فالقضاء اللبناني العدلي الذي يبقى صاحب الولاية العامة على كافة جرائم القانون العام وشهود الزور من جرائم القانون العام العادي وأي طرح أو محاولات خلاف الاحتمالين والمرجعين أعلاه يعتبر بحد ذاته تسييسا واستدراجا للحكم والحكومة إلى تبني وجهة نظر مخالفة للدستور ولنص القانون في أصول المحاكمات الجزائية .

في العام 2006 عندما انسحب الوزراء الشيعة والوزير يعقوب الصراف من حكومة الرئيس السنيورة الأولى إثر جلسة إقرار مشروع نظام المحكمة الدولية بتاريخ 13 تشرين الثاني 2006 انسحبوا لإفقاد الحكومة "ميثاقيتها " بدليل الحملة التي بدأها الرئيس إميل لحود يومها وتبعه حلفاؤه في حزب الله وقوى "8 آذار" باعتبار حكومة الرئيس فؤاد السنيورة "فاقدة الشرعية الميثاقية والدستورية " استناداً لمقدمة الدستور التي تنص على أن "لا شرعية لسلطة تناقض ميثاق العيش المشترك "- فهذا السيناريو مرشح مرة جديدة للتكرار ولنسف الحكومة وشل الحكم مجددا بمجرد انسحاب اقله 11 وزيرا من المعارضة وقوى "8 آذار" من الحكومة وهو النصاب الكافي لاعتبار الحكومة مستقيلة بموجب الفقرة (ب) من المادة (69) من الدستور.

من هنا أهمية دور رئيس الجمهورية المؤتمن على الدستور والقانون ورمز وحدة الوطن والحكم بين اللبنانيين أن يتجنب الوصول إلى التصويت أو القطيعة لشريحة من وزراء الحكومة من خلال رفضه البحث بموضوع شهود الزور في مجلس الوزراء أساساً كون الموضوع خارجاً عن اختصاص مجلس الوزراء دستوريا وقانونيا كما صار شرحه.

وفي مطلق الأحوال، أن الأمس يعود اليوم .. فالعبرة في أن لا نقع في أخطاء الأمس ونساهم من حيث لا ندري في المزيد من تشويه وتزوير الدستور ومخالفة مبادئه وقواعده من طرف من له مصلحة في عدم وجود دستور ودولة ونعني قوى "8 آذار" وعلى رأسها "حزب الله" في ملف قضائي يثير "هلعهم"... إلا إن كان بقاء لبنان بلا حكومة أفضل المخارج حقيقة كما لاحظ "الحكيم"...

جورج أبو صعب - فريق موقع القوات اللبنانية - الجمعة 19 تشرين الثاني 2010

0 تعليقات::

إرسال تعليق