الاثنين، 16 مايو، 2011

حوار مع واحد مجنون

كان لي زميل عمل، وشبه صديق، مولع بمحاورتي في شؤون الدين والفكر والسياسة وحتى الرياضة والفن. لم تكن تلك الحوارات "القسرية" لتولد بعفوية، وبلا مواعيد. كان صاحبي هذا يفرضها علي فرضاً. وكانت جل محاولاتي لتجنب السقوط في تلك الأفخاخ الحوارية دائماً ما تبوء بالفشل لشدة إصراره وعناده على ملاحقتي ومحاصرتي وأحيانا استفزازي. رغم امتعاضي من فضاضة أسلوبه إلا أني كنت أقدر له نبل مقاصده وطيب نواياه من تلك الحوارات والتي كان يأمل من ورائها تبيان خطل أفكاري وتهافتها وسلامة أفكاره وصدقها، ومن ثم إعادتي لطريق الحق والنجاة. أما أنا فكنت أتفادى قدر الإمكان الدخول في تلك النقاشات العقيمة لثلاثة أسباب: أولها، أن حواراتنا نحن العرب أشبه بمبارزات ومعارك كلامية، غالباً ما تورث الكراهية والتنافر والقطيعة بين أطرافها. ثانيها، أني لا أجد نفعاً من حوار مع شخص يؤمن مسبقاً أنه على حق وأني على باطل، ما دام أنه يتحدث نيابة عن الإسلام الذي لا يأتيه الباطل لا من خلفه ولا من بين يديه. ثالثها، أنه كغالبية المسلمين، شحيح في معارفه وضعيف في قراءته. ولما يكلف صاحبي هذا نفسه عناء القراءة والبحث وهو يتلقف شفاهة جواهر الحكمة ودرر المعرفة من افواه شيوخ الدين وكهنته!


تركت عملي السابق قبل خمسة أعوام تقريبا، وتقطعت خيوط الوصل بينه وبيني، إلا أن نتفاً من تلك الحوارات البائسة ما زلت سابحة في فضاء الذاكرة. في إحدى المرات، وبينما كنت متجهاً للمصعد، إذ به يلحق بي، وينحى بي إلى جانب المصعد. اقترب مني برأسه أكثر من اللازم، كأنه ينوي أن يهمس لي بسر...

قال بصوت خافت: هل أنت... ليبرالي؟

ربما ظن أني سأدفع تلك التهمة عني، لكني أجبته بكل هدوء: تلك تهمة لا أنفيها وشرف لا أدعيه.

نظر إلي نظرة مشفقٍ، قائلاً: ما لك بهذه الأشياء وعندنا الإسلام الذي لم يترك لا شاردة ولا واردة إلا وأدلى دلوه فيها! ثم مضى يعدد مناقب الإسلام وفضائله... يا أخي، الإسلام حدثنا عن كل شيء. لقد أخبرنا كيف نمشي، كيف ننام، متى نحيا، متى نموت، أين نذهب، ماذا نأكل، ماذا نلبس. يا أخي، الإسلام علمنا حتى ماذا نقول إذا جامعنا نساءنا، وركبنا سياراتنا، ودخلنا الأسواق، ودخلنا الحمام، وخرجنا منه.

قلت، وأنا لا أكاد أداري تململي من حديثه هذا: فعلاً، لقد انشغل الإسلام بتلك الصغائر من الأمور التي لا نفع ولا ضر منها، وأهمل ما هو أهم وأعظم من قضايا جوهرية ومسائل كبرى تؤثر على حياة الفرد والجماعة.

قال بلهجة لا تخلو من التحدي: ما الذي أغفله ديننا؟ الله قال في كتابه: "وما فرطنا في الكتاب من شيء"!

قلت: ماذا ـ مثلاً ـ عن مسألة الخلافة والنظام السياسي؟ لماذا انشغل الله ونبيه بالصلاة والصوم والحج والجهاد والجماع والسواك واللحى دون مثلاً أن يحدد لنا كيف نختار الخليفة وكيف نعزله وكيف نحاسبه؟ أليس الإسلام نظاماً شمولياً كما تدعون، لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وخاض فيها؟ ألم يكن الله ورسوله على اطلاع مسبق بما سيلحق أمته من تمزق وتشرذم بسبب اختلافهم على كلمة واحدة وقائد واحد؟ لماذا ترك أمته نهباً للصراعات الدامية، وانهمك في إخبارنا عن التوافه من الأمور، مثل ماذا يستحب علينا قوله إذا سمعنا صوت الرعد أونزل المطر!

قال، وهو بالكاد يقاوم ضحكته على سخافة عقلي وبطلان منطقي: يا عزيزي، لقد أودع الله في رؤوسنا العقل، ومنحنا فسحة للتفكر والتدبر. الإسلام ترك لنا كثير من القضايا الدنيوية كي نديرها في ضوء الكتاب والسنة.

قلت مقاطعاً: سبحان الله! للتو قلت أن الإسلام لم يترك صغيرة أو كبيرة إلا وتكلم عنها، والآن تحدثني عن تفويض الإسلام للمسلم حرية إدارة شؤونه الدنيوية في إطار كتاب الله وسنة نبيه! حسناً، سأتجاوز عن هذا التناقض الذي تعانيه أنت وباقي المسلمين من دون أن تشعروا به بالطبع. إذا صح أن الإسلام قد ترك لنا أن نحتكم إلى العقل فلماذا مثلاً ترفضون النظم العلمانية والديمقراطية كنماذج سياسية واجتماعية في ظل غياب رؤية دينية متماسكة وجلية؟

قال: لا حاجة لنا بالديمقراطية ولدينا ما هو خير... الشورى.

قلت: أجاد أنت أم تمزح؟ أتقارن نظاماً هزيلاً وتعيساً كالشورى بنظام رفيع ومتفوق كالديمقراطية؟!

قال محتجاً: لا تقل هذا! الشورى نظام إلهي ارتضاه لنا نحن المسلمين.

قلت وقد بلغ القرف بي حداً لا يطاق: يا سيدي الكريم! الشورى ليست منحة سماوية. العرب قبل إسلامك عرفوا الشورى ومارسوها. الإسلام، ابن البيئة البدوية، لم يعرف ديمقراطية اثينا الراقية، لهذا قبل بالشورى المتعارف عليها والمعمول بها عند القبائل العربية. ثم كيف تضع الشورى فوق الديمقراطية وليس لدينا في تاريخنا الطويل نماذج وأمثلة على استخدامات للشورى؟ ألا تعلم أنها تحيد كافة أفراد الشعب من المشاركة السياسية وتحصرها في عدد محدود من الأشخاص الذين يقع عليهم اختيار الحاكم، هذا إن وجدوا. ألا تعلم أن الشورى لا تلزم الحاكم بشيء، ولم يعرف يوماً أن أحد من القادة قد نزل على رأي تفتق عنه اجتماع مجلس الشورى المصغر.

غريب أمرك يا عزيزي! إنك تسخر من مجلس الشورى الصوري لدينا هنا، وتحتقره، رغم أنه أفضل بمرات من لجان الشورى التي عرفتها الخلافة الإسلامية. تتساءل متى سيبقى الفرد لدينا مغيباً ومقصياً من لعب دور ولو صغير في صياغة سياسات الدولة والتصويت عليها، وهذا ما تكفله لك "الديموقراطية الكافرة". أترفض الدواء لعلاج الأمراض المزمنة التي تعانيها هذه المجتمعات البائسة لمجرد أن وصفة العلاج تأتيك من الخارج، وليست موجودة بين دفتي القرآن والسنة؟!

=======

وفي مرة، ونحن في طريقنا خارج المبنى، سألني عن البرامج والمسلسلات التي اجتذبتني في شهر رمضان. قلت له، البرنامج الفلاني والمسلسل الفلاني، ثم ذكرت له اسم مسلسل "ربيع قرطبة" كأحد الأعمال الرمضانية المميزة. لم اكن أعلم أن اسم قرطبة سينكأ في داخله جرحاً عتيقاً منذ أن طرد عبد الله الصغير آخر ملوك الأندلس. خرجت من جوفه زفرة ساخنة كسموم مدينة الرياض في يوم صيفي لاهب، وأتبعها بقوله: آه يا الأندلس! لقد أضعناها نحن العرب بتخاذلنا وتفككنا وتقاتلنا.

قلت مبتسماً: الحق عاد لأصحابه. الإسبان أحق ببلادهم من العرب الغزاة.

قال بتمرم: المسلمون هم من أشعلوا قناديل الحضارة في تلك البلاد، وجعلوا من شبه الجزيرة تلك جنة للطوائف الدينية، وهم لا ينكرون ذلك.

قلت: أتتحدث بإعجاب عن التعايش السلمي بين الأديان والأطياف الديني؟! إنك لا تطيق المختلف ولا تعترف حتى بحقه في الحياة فمالي أراك قد غيرت نغمتك الآن؟!

قال، متجاهلاً ما قلته للتو: صحيح أن الإسبان هم أصحاب البلاد الأصليين ولكن نحن من تولينا بناء تلك البلاد وتطويرها.

قبل أن يكمل، قلت: إذا كان الأمر كذلك فلماذا تحاربون اليهود وهم من جعلوا فلسطين، باستثناء المناطق التي يحكمها الفلسطنيون، جنة لا مثيل لها في منطقة الشرق الأوسط. لولا اليهود لكانت فلسطين كباقي البلدان العربية مع بعض الاستثناءات طبعاً؟!

هنا، هاج الأصولي القابع في رأسه: نحن المسلمون غير! نحن ذهبنا لإسبانيا والهند والصين ومجاهل أفريقيا كي نخرجهم من عتمة الكفر والضلال إلى نور الإسلام والحق. الله أمرنا بحمل الإسلام إلى شعوب الأرض. جهادنا تكليف وإلزام إلهي وليس بهدف استغلال أراضي الغير وسرقة خيراتها.

قلت: تخيل يا سيدي الفاضل لو أن مغولياً من أحفاد جنكيز خان وهولاكو خرج إلى الشارع مطالباً باسترجاع أملاك أجداد الضائعة في أواسط آسيا والهند وايران والعراق. من المؤكد أن الناس سترميه بالجنون وسيحصبه الصغار بالحجارة. تخيل لو أن ايطالياً من أحفاد يوليوس قيصر ونيرون قد خرج إلى ساحات روما صائحاً: وايوليوسياه وانيرونياه! أعيدوا إلينا كروم وعنب وتفاح وزعتر الشام التي سرقها منا العرب الأجلاف. ستعتبره الناس مادة مسلية للتندر والضحك، وستلتقط كاميرات جوالاتهم بالصوت والصورة هذا الرجل الذي يبدو أنه قد بعث من جديد بعد ألفي عام!

عاد صاحبي مرة أخرى ليحدثني عن الرسالة الإلهية المزعومة التي يحملها المسلمون دون باقي البشر. وبدأ يحدثني عن سيناريوهات المستقبل، وأن الأرض ومن عليها سيرثها المؤمنون في نهاية الزمان!

هنا، أدركت أن صاحبي هذا ليس بأقل جنوناً من ذاك المغولي والإيطالي المتخيلين. سلمت عليه بسرعة، متذرعاً بحاجتي للذهاب إلى السوق قبل أن يؤذن لصلاة العصر. في طريقي لسيارتي، تساءلت عن عدد المصحات العقلية التي يلزم بناءها للمجانين، مثل صاحبي هذا! المضحك أنه لا يعتبر مجنوناً بمقاييس مجتمعاتنا، بل مسلماً مخلصاً، ومؤمناً غيوراً على دينه وشرفه. أما أنا العلماني الليبرالي فلست إلا انبطاحياً، ومتخاذلاً، ومتأمركاً، ومستلباً فكرياً، وذيلاً لقوى الاستكبار والإمبريالية، ومتسولاً على أبواب السفارات الغربية. بالمناسبة، هل تقدم السفارات الحاقدة مكافآت وحوافز لأمثالي من بني علمان وبني ليبرال؟ إذا كان هذا صحيحاً، فأرجو اعطائي عنوانها... ودمتم سالمين!!!

بقلم هشام محمد Jul 30, 2009

0 تعليقات::

إرسال تعليق