الاثنين، 2 مايو، 2011

الحالة العربية.. حقائق وطموحات وأوهام


وليس يصح في الأفهام شيء ** إذا احتاج النهار إلى دليل (المتنبي)

أيام الشباب، قبل أن يزحف الشيب إلى شعرنا أو ما تبقى منه، كنا نصدق ما نسمعه من شعارات سياسية مجلجلة، فنهتف لهذا.. ونخون ذاك.

في تلك الأيام البريئة من تاريخ عالمنا العربي، خلال عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي، كنا نتصور أن هناك حقا مثلا عليا تستحق أن نهرع للالتحاق بالتنظيمات والأحزاب من كل شكل ولون من أجل تحقيقها. وهذه المثل ما كانت تقتصر على واجب العرب المقدس بتحرير فلسطين كمنطلق نحو الوحدة العربية الكبرى من المحيط إلى الخليج، بل اتسعت لتشمل نظرتنا إلى طبيعة «الحرب الباردة» بين الشرق والغرب.. بين طرحي الرأسمالية «الإمبريالية» الأميركية المتسربلة سربال الحرية والرقي، والاشتراكية العلمية «التحريرية» السوفياتية المرتدية مسوح العدالة الاجتماعية وإنصاف المظلومين.

كانت الصورة كذلك، واضحة، قاطعة بالأسود والأبيض لا مساحات رمادية فيها، وهذا قبل عقود من «الخيار صفر» الذي طلعت به علينا لاحقا «مدرستا» جورج بوش الابن وأسامة بن لادن تحت شعار «إما معنا أو ضدنا».


كنا حينذاك على اقتناع تام بأن النضال من أجل المبادئ الكبرى يستحق التضحية بالتفاصيل الجزئية، وكذلك التضحية مؤقتا ببعض المطالب.. إذا كانت قابلة للتأجيل، انطلاقا من مقولة «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة».

وفعلا، كانت هذه المقولة مقبولة، وظلت كذلك طالما ظلت هناك ثقة بالقيادة التي تطرحها. غير أن هزيمة يونيو (حزيران) 1967 هزتنا وأيقظت كثيرين منا من سباتهم.

أدركنا، عند تلك النقطة، أن ثمة أخطاء ارتكبت في مكان ما. واستوعبنا يومها أن النية يمكن أن تكون صادقة والغايات نبيلة، لكن لا شك في أن القراءة كانت قاصرة لواقع العالم وميزان القوى الدولي وطبيعة العدو وتقدير الالتزامات الاستراتيجية والإقليمية والعالمية في تلك المرحلة.

عند تلك النقطة، كما أذكر جيدا، بدأت تيارات شبابية من جيلنا تسقط من حساباتها قدرة الأنظمة - مهما بلغ إخلاصها - على إنجاز التغيير المأمول، وتتجه بحماسة طفولية نحو خيار «حرب التحرير الشعبية».

في عام 1968 صارت «المقاومة الفلسطينية» المسلحة ملاذا لكل عربي – وغير عربي، كالياباني كوزو أوكاموتو – مناهض للظلم، وتحولت «الكوفيات» الحمراء والسوداء إلى موضة في كل مكان. ولم يبدل ما عرف بـ«أيلول الأسود» في الأردن خلال سبتمبر (أيلول) 1970 كثيرا في الحماسة الثورية، غير أنه أفرز واقعين اثنين على جانب من الأهمية، كما تأكد خلال العقود الثلاثة التالية، هما:

أولا، تراجع «المشروع الوحدوي الناصري» بوفاة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

وثانيا، اكتشاف حقيقة جوهرية هي أن للأنظمة العربية أنيابا قوية عندما يأتي وقت تضطر فيه للدفاع عن وجودها، وهذا على الرغم من عجزها عن مواجهة إسرائيل.

ومن ثم تكامل هذان الواقعان مع حقيقة أن علاقة موسكو بدول المنطقة العربية كانت تكتيكية، بخلاف علاقة واشنطن «العضوية» بإسرائيل. وهذا، ما فسرته بدقة «حرب أكتوبر/ تشرين الأول» في خريف 1973، التي وصفها البعض، عن حق، بأنها كانت حرب «تحريك» لا «تحرير».. أسفرت سياسيا عن تصفية نفوذ موسكو، وجمع كل أوراق اللعبة الإقليمية في أيدي واشنطن. وهنا تجدر الإشارة إلى أن إقدام الرئيس أنور السادات قبلها على تصفية التركة الناصرية تحت عنوان ضرب «مراكز القوى» وطرد الخبراء العسكريين السوفيات كان مؤشرا مهما، وأيضا كانت مؤشرا لا يقل أهمية «الحركة التصحيحية» السورية.. التي قضى من خلالها الجناح اليميني في القيادة البعثية بقيادة الرئيس حافظ الأسد على منافسه الجناح اليساري بقيادة صلاح جديد ونور الدين الأتاسي ويوسف زعين.

في ذلك الحين، كان الرئيسان السادات والأسد على علم بميزان القوى الدولي وبعلاقة إسرائيل الاستراتيجية بواشنطن. ولكن كما قال هنري كيسنجر في حينه، إبان «حرب الاستنزاف» المعبرة عن الركود في الوضع الإقليمي، «كان لا بد من إعطاء العرب انتصارا معنويا – أي زائفا – وتكبيد إسرائيل نكسة معنوية، من أجل ترتيب أوضاع المنطقة (وفق القراءة الأميركية طبعا)».

واقع المنطقة، وبالذات، الواقع المحيط بإسرائيل، ظل على حاله حتى مطلع العام الحالي 2011. وعلى الرغم من اغتيال السادات، جاء انتقال السلطة في مصر سلسا إلى نائبه حسني مبارك، وظل الحكم في أيدي المؤسسة العسكرية حتى اليوم. وفي سوريا أيضا، ظل الحكم في أيدي المؤسسة الأمنية – العسكرية ذاتها، حتى بعد وفاة الأسد الأب وتولي ابنه الرئيس بشار الحكم من بعده.

في الدولتين أثبتت الأيام أن لا وجود حقيقيا لمؤسسات حزبية، وأن الحزبين الحاكمين في القاهرة ودمشق كيانا تسلق مصلحي وانتهازي.. لا أكثر ولا أقل. فالحزب الوطني الديمقراطي انهار وتلاشى كأوراق الخريف. أما حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم في دمشق - وفي بغداد حتى 2003 - فقد تحول منذ زمن بعيد إلى واجهة لحكم الطائفة والعشيرة والعائلة، وهو ما يفسر عجزه عن توحيد قطرين من أكثر الأقطار العربية تلاصقا وتراحما وتكاملا على امتداد أربعة عقود من الزمن.

إلا أن ثمة فارقا جوهريا ظهر خلال الأشهر القليلة الفائتة في تجربتي نظامي الحكم مع تحدي الشارع، هو أن الجيش في مصر أثبت أنه فوق الفئوية والعائلية، في حين بدا «السيناريو» السوري الدموي أقرب إلى تجربة ليبيا، وإلى حد ما، التجربة اليمنية. وقد يكون علينا توقع استمرار «السيناريو» الدموي هذا في ضوء الموقف الروسي الذي يعتبر وقف ما يحصل في سوريا حاليا «تدخلا في الشؤون الداخلية لبلدان ذات سيادة».

بالمناسبة، هذا الموقف يصدر اليوم عن روسيا «الدولة القومية ذات المصالح القومية».. وليس عن الاتحاد السوفياتي «نصير التحرر الأممي».

اليوم عند موسكو حسابات خاصة مع واشنطن لا علاقة لها مطلقا لا بسيادة الدول ولا بحقوق الإنسان.. تماما، مثل حسابات واشنطن مع موسكو. وبناء عليه، حسب الشعب السوري انتظار معرفة الثمن المدفوع والمقبوض قبل التفاؤل خيرا بما يحمله إليه الآتي من الأيام.

إياد أبو شقرا - الشرق الأوسط - الاثنين, أيار 2, 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق