الاثنين، 30 مايو، 2011

الشعب يريد «إسكات» النظام!


إذا كانت الإهانة والمذلة والمظلمة جميعها خطايا لا تغتفر للأنظمة العربية في حق شعوبها، فإن الخطيئة الأكبر هي الاستهزاء التام واحتقار ذكاء وعقول الناس إلى درجة لا يمكن وصفها، وهو ما ظهر ولا يزال يظهر في الخطابات والتصاريح التبريرية على لسان مسؤولين حكوميين مختلفين يعلقون على طلبات شعوبهم، والأحداث التي تلتها جراء هذه الطلبات المستحقة. فشلت الجمهوريات العربية بعد عقود من الحكم في تكوين حياة ديمقراطية شبه محترمة فيها تأسيس للحكم المدني ومؤسسات المجتمع المستقلة وتبيان واضح لحقوق المواطن وعلاقة صريحة بينه وبين الدولة، وهذه كلها مناطق رمادية وهلامية، حيث لا يمكن الاستناد إلى مرجعية ناجعة وقطعية لمعرفة حدود المسؤولية، وبالتالي المساءلة بعد ذلك. لن يكون من السهل نسيان تصريحات الرئيس التونسي السابق في بدايات تعليقه على الحراك الشعبي الجارف ضده وضد فساد حكومته وأسرته واستبداده، ليبرر هذا الحراك بأنه بسبب مجموعة من «الدخلاء والعملاء»، ثم جاءت الثورات تباعا لنرى ونسمع ونتابع تبريرات هي أقرب للخيال منها للحقيقة.

تبريرات تلقي باللائمة تارة على بلطجية ومرة على مندسين وعلى مهلوسين وعلى شبيحة، وعلى أم الفزاعات في كل الحالات «السلفيين»، ومراسلي القنوات الفضائية من «الملعونين والكلاب»، بحسب أحد التعبيرات على لسان صاحب «الزار السياسي» الكبير القذافي المعروف بالأخ العقيد سابقا (ولا أعلم هو أخو مَن تحديدا، ولكن بعد ما قام بعمله في حق شعبه يبدو أن المقصود هنا هو أخ منه أخ!)، لم يعترف منهم أحد بأخطائه ولا بنزاهة وأحقية المطالبات وجدارتها ولا قام بالأسف والاعتذار صراحة لمن قتلهم من الأبرياء العزل من الشعب ولا الترحم عليهم، وطبعا ولا بتحمل مسؤولية ما حدث وعقاب المسؤولين عن ذلك في وقتها.. إنه مسلسل «احتقار» الناس واتباع سياسة «المبيدات الحشرية» أمنيا، وهي الاعتقاد بإبادة أكبر عدد من الناس وبأبشع الصور لتخويفهم بحيث لا تتكرر منهم المطالبات مجددا، وإتباع ذلك بقصص وتصريحات تبرر ما حدث والإتيان بشهود ومحللين ومسؤولين ورجال دين وأكاديميين يضيفون «نكهات» صدق للقصة الرسمية، ولكن بدلا من أن يبلع الناس القصة ويهضموها يصابون بحالة من عسر الهضم والقيء المستمر وحساسية أبدية تجاه أقوال وأفعال حكوماتهم! تعودت الحكومات العربية على بيع الأوهام لشعوبها، أفكار وهمية روج لها بكوادر متحجرة فحولت الاستبداد إلى ديمقراطية والحزب إلى سجن والهيمنة إلى مقاومة!

كلها خلط في المعاني لم تجن من ورائها الشعوب إلا الحصرم، ولدت من خلالها إنسانا خائفا مكسورا مذلولا بلا ثقة في نفسه ولا أمل في غده، مولدة كذلك إحساسا نفسيا طاغيا بالقنوط، ومن هنا تفجر الألم بحالة من القوة واللاعودة، وقد كان. هي خليط من المشاعر تراكمت ولدتها سياسات وتصرفات وتصريحات وتهيؤات مجتمعة كونت المجتمع العربي القديم الذي قرر أن يطلق ماضيه إلى «لا رجعة»، فهو لن يقبل بما كان يروج على لسانه وعن تفكيره وعن مقصده، لم يعد يقبل بأن يكون لغيره الوصاية على نياته وعلى ما هو أنفع له، يريد أن يكون له صوت وحق، وقبل هذا وذاك يريد أن يكون له كرامة. أصبح اليوم المواطن العربي أكثر إدراكا وأكثر حساسية وأكثر نضجا وأكثر معرفة. لن يقبل بمسؤولين يميعون الحقيقة ويغيرون الواقع، ولا رجال دين يحرمون حلالا ويضيقون واسعا، ولا منافقين أفاقين يحجبون الحق والحقيقة لصالح الطاغية وحاشيته. طلب واحد كان يقال من قلوب الناس عندما فاض بهم، اختزلوا الطلب في كلمة واحدة «ارحل» لتأتي بعدها حكمة بسيطة قالها سائق تاكسي بمصر: «إذا كنت عاوز تبقى ريس.. عامل الناس كويس!».. عبقرية بسيطة!

الناس في كثير من الأحيان تريد إصلاح ما عندها وتؤمن بضرورة ذلك، ولكنها إذا لم ترد مقولة «الشعب يريد إسقاط النظام»، لأنها وبسبب ما تسمع من إهانات لعقلها وضميرها، فهي على أقل تقدير تردد «الشعب يريد إسكات النظام!».

حسين شبكشي hussein@asharqalawsat.com - الشرق الأوسط 30 مايو 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق