الثلاثاء، 10 مايو 2011

"رسالة" من الشاعر أبي القاسم الشابي إلى بعض النخب اللبنانية...!

أبي القاسم الشابي
أبو القاسم الشابي

قد تكون قصيدة الشاعر التونسي "أبو القاسم" الشابي "إذا الشعب يوماً أراد الحياة" أشهر قصيدة سياسية في التاريخ العربي الحديث. كتب الشاعر هذه القصيدة حسب ما ورد في نهايتها في ديوانه "أغاني الحياة"، في 16 أيلول (سبتمبر) 1933 وتَحوّل مطلعها مع تدريسها في مناهج التعليم في العديد من الدول العربية إلى بيت شعر جماهيري في الثقافة الشعبية، لا في تونس فحسب بل في العالم العربي كله.
في الديوان "أغاني الحياة" قصائد وأحيانا أبيات أكثر أهمية بأشواط من هذه القصيدة من الناحية الفنية. ولهذا اخترنا اليوم وبعد أن وصل استخدام مطلعها الشهير "إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر" إلى الذروة السياسية والجماهيرية مع انتفاضة تونس الاجتماعية الديموقراطية، إعادة نشرها كاملة. ولكن في الآن نفسه اخترنا قصيدة قصيرة من أربعة أبيات أرّخها الشاعر في آب 1927 ذات لغة قوية وجميلة، علّ بعض النخب اللبنانية المتحمسة والمتواطئة والمستفيدة من احتمال عودة مشروع الحرب الأهلية إلى بلدنا الصغير... علها ترتدع... وبالحد الأدنى تستحي من أدوارها اللبنانية التفتيتية.


"الرسالة"

يودُّ الفتى لو خاض عاصفة الردى وصدّ الخميس المَجْرَ والأسد الورْدَا
ليدرك أمجاد الحروب، ولو درى حقيقتها ما رام من بيْنها مجدا

فما المجد أن تُسكر الأرض بالدّما وتركب في هيجائها فرساً نهدا
ولكنه في أن تصدّ بهمّةٍ عن العالم المرزوء، فيْض الأسى صدّا

2 صفر 1346
غرة أوت 1927

النص الكامل لقصيدة: "إذا الشعب يوماً أراد الحياة"

إرادة الحياة
إذا الشعبُ يوماً أراد الحياة فلا بدّ أن يستجيب القدرْ
ولا بد لليل أن ينجلي ولا بدّ للقيد أن ينكسر
ومن لم يعانقه شوقُ الحياة تبخّر في جوّها، واندثر
فويل لمن لم تَشُقه الحياة من صفعة العدم المنتصر
كذلك قالت لي الكائنات وحدّثني روحُها المستتر

• • •

ودمدمت الريحُ بين الفِجاج وفوق الجبال وتحت الشجر:
"إذا ما طمحتُ إلى غايةٍ ركبتُ المنىَ ونسيتُ الحذر"
"ولم أتجنّب وعورَ الشّعاب ولا كُبّة اللهب المستعر"
"ومن لا يحب صعودَ الجبال يعش أبد الدهر بين الحُفَر"
فعجّتْ بقلبي دماءُ الشباب وضجّت بصدري رياح أُخر...
وأطرقتُ، أصغي لقصف الرعود وعزف الرياح، ووقع المطر

• • •

وقالت ليّ الأرض – لما سألت: "أيا أم هل تكرهين البشر؟":
"أبارك في الناس أهلَ الطموح ومن يستلذُّ ركوبَ الخطر"
"وألعنُ من لا يماشي الزمانَ، ويقنع بالعيش عيشَ الحجر"
"هو الكون حيٌّ، يحب الحياة ويحتقر الميتَ، مهما كبُر"
"فلا الأفق يحضُن ميتَ الطيورِ، ولا النحلُ يلثم ميْت الزهر"
"ولولا أمومةُ قلبي الرؤوم لما ضمّت الميتَ تلك الحُفر"
"فويل لمن لم تشُقه الحياة، من لعنة العدم المنتصر!"

• • •

وفي ليلة من ليالي الخريف مثقلة بالأسى والضجر
سكرت بها من ضياء النجوم وغنّيت للحُزن حتى سكر
سألتُ الدجى: هل تُعيد الحياة لما أذبلته ربيع العمر؟
فلم تتكلم شفاه الظلام ولم تترنّم عذارى السّحر
وقال لي الغابُ في رقّة محبّبةٍ مثل خفق الوتر:
"يجيء الشتاءُ، شتاء الضباب، شتاء الثلوج، شتاء المطر"
"فينطفئ السحرُ، سحر الغصون، وسحر الزهور وسحر الثمر"
"وسحر السماء، الشجي، الوديع، وسحر المروج، الشهي، العطر"
"وتهوي الغصون، وأوراقها وأزهار عهد حبيب نضر"
"وتلهو بها الريح في كل وادٍ، ويدفنها السيل، أنّى عبر"
"ويفنى الجميعُ كحلمٍ بديع، تألق في مهجةِ واندثر"
"وتبقى البذورُ التي حُمّلت ذخيرة عمرِ جميلِ، غبر"
"وذكرى فصول، ورؤيا حياةٍ، وأشباح دنيا، تلاشت زُمر"
"معانقة – وهي تحت الضباب، وتحت الثلوج، وتحت المَدر"
"لِطَيف الحياة الذي لا يُملُّ، وقلب الربيع الشذيّ الخضِر"
"وحالمةً بأغاني الطيور، وعطر الزهور، وطعم الثمر"

• • •

"ويمشي الزمان، فتنمو صروف، وتذوي صروف، وتحيا أخَرَ"
"وتُصبح أحلامها يقظةً، موشّحةً بغموض السّحر"
"تُسائل: أين ضباب الصباح، وسحر المساء؟ وضوء القمر؟"
"وأسراب ذاك الفَراشِ الأنيق؟ ونحلٌ يغنّي، وغيم يمر؟"
"وأين الأشعة والكائنات؟ وأين الحياة التي أنتظر؟"
"ظمئتُ إلى النور، فوق الغصون! ظمئت إلى الظل تحت الشجر!"
"ظمئتُ إلى النبع، بين المروج، يغنّي، ويرقص فوق الزهَر!"
"ظمئتُ إلى نغمات الطيور، وهمسِ النسيمِ، ولحن المطر،"
"ظمئتُ إلى الكون! أين الوجودُ وأنّى أرى العالم المنتظر؟"
"هو الكونُ، خلف سبات الجمود، وفي أفقِ اليقظات الكُبَر"

• • •

"وما هو إلا كخفق الجناح حتى نما شوقُها وانتصر"
"فصَدّعت الأرض من فوقها وأبصرت الكونَ عذبَ الصُوَر"
"وجاء الربيعُ، بأنغامه، وأحلامه، وصباه العطر"
"وقبّلها قُبلاً في الشفاه، تعيد الشباب الذي قد غَبَر"
"وقال لها: قد مُنحتِ الحياة، وخُلّدتِ في نسلكِ المدخَر"
"وبارككِ النورُ، فاستقبلي شباب الحياة وخصبَ العُمُر"
"ومن تعبد النورَ أحلامه، يباركُهُ النورُ أنّى ظهر"
"إليك الفضاءَ، إليك الضياءَ، إليك الثرى، الحالمَ، المزدهر!"
"إليكِ الجمالَ الذي لا يَبيدُ! إليكِ الوجودَ، الرحيبَ، النضر!"
"فميدي - كما شئتِ - فوق الحقول، بحلو الثمار وغضّ الزهَر"
"ونادي النسيمَ، وناجي الغيومَ، وناجي النجومَ، وناجي القمر"
"وناجي الحياةَ وأشواقها، وفتنةَ هذا الوجود الأغر"

• • •

"وشفَّ الدجى عن جمالٍ عميقٍ، يشُبُّ الخيالَ، ويّذكي الفكَر"
"ومُدّ على الكون سحرٌ غريبٌ، يُصَرّفه ساحرٌ مقتدر"
"وضاءت شموعُ النجوم الوِضاءِ، وضاع البخورُ، بخور الزهَر"
"ورفرف روحٌ، غريبُ الجمال بأجنحةٍ من ضياء القمر"
"ورنَّ نشيدُ الحياة المقدس في هيكلٍ، حالمٍ، قد سُحر"
"وأعلن في الكون: أن الطموح لهيبُ الحياة، وروحُ الظفر"
"إذا طمحتْ للحياة النفوس فلا بدّ أن يستجيبَ القدر!"

26 جمادى الأولى 1352
16 سبتمبر 1933

بقلم ج. ز. – النهار 25/1/2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق