الجمعة، 6 مايو، 2011

قضية البنزين بعيداً من التسييس


هنالك اختلاف في الرأي والتقويم بين الوزير جبران باسيل والنائب محمد قباني، والخلاف يدور حول سبل الاقتصاد في استهلاك البنزين والحد من التلوث.
الوزير باسيل يعتبر التوجه نحو استعمال سيارات على الغاز والمازوت الحل الناجع، لان الغاز سعره على قياس الطاقة الحرارية اقل من سعر البنزين، والمازوت يساهم في الاقتصاد في الاستهلاك بنسبة تقل عن 20 في المئة من استهلاك البنزين للمسافات ذاتها.
النائب قباني يعتبر أن اعتماد السيارات ذات المحركات التي تشغل بالغاز أمر خطير وغير مقبول في مجتمعات عدة، ويرى أن سيارات المازوت ترفع نسبة التلوث.
أن موقف الوزير باسيل من استعمال سيارات حرق الغاز هو في الواقع مفيد، واعتبارات السلامة متوافرة فيه، وكل من زار طوكيو مثلاً منذ السبعينات يعرف أن سيارات التاكسي في العاصمة اليابانية حيث استشعار موضوع البيئة سائد تعتمد الغاز لقيماً.
أن تناسب استعمال الغاز مع سيارات الانتقال لا يعني على الإطلاق أن حل قضية البنزين معلق على هذا الخيار وذلك واضح من النظر إلى الأمور التالية.



هنالك مليون وثمانمئة ألف سيارة وشاحنة عاملة في لبنان. وإذا شئنا تعديل مواصفات هذه السيارات لاستخدام الغاز نحتاج إلى تكاليف كبيرة كما إلى سنوات طويلة، خصوصا أن هذه التقنية غير معروفة عندنا حتى تاريخه.
وإذا افترضنا إحلال سيارات حرق الغاز والمازوت النظيف محل السيارات العاملة، واحتسبنا قدرة لبنان على استيراد هذه السيارات وافترضنا أنها تساوي عدد السيارات الجديدة المستوردة سنوياً خلال السنوات الثلاث المنصرمة، نجد أن حجم الاستيراد هو على مستوى 26 ألف سيارة سنوياً. فإذا شئنا إحلال هذه السيارات محل السيارات العاملة حالياً، نحتاج إلى 69 سنة، وبالطبع الوزير باسيل المهندس المقتدر يعرف هذا الحساب، ومناقشته موضوع البنزين فقط تختصر موضوع الطاقة الذي هو أهم بكثير والذي يشمل البنزين والغاز والكهرباء ومصادر الطاقة المتجددة ونظرياً مصادر الطاقة النووية. وعلية يبدو أن الوزير باسيل أراد من طرح موضوع البنزين "التعليم" سياسياً على الفريق الآخر، والأجدر به إذا وضع نصب عينيه المصلحة العامة، أن يعرض الأمور الآتية بالتسلسل المقترح:
- حاجة لبنان إلى مشتقات النفط تقترب من ستة ملايين طن سنوياً منها 40 في المئة خاصة بإنتاج الكهرباء. وأولى الخطوات المطلوبة، تحديث مرافق التكرير أو بناء مصاف جديدة، وإذا بلغت تكاليفها مليارات الدولارات يكون الوفر على مستوى 700-800 مليون دولار سنوياً.
- محطات إنتاج الكهرباء في حاجة إلى الصيانة والتحديث كما شبكات نقل الكهرباء. والحديث عن تشغيل مصفاتي البداوي والزهراني على الغاز طرحه الوزير قبل أكثر من سنة وكل ما شهدناه استعمال بسيط للغاز في محطة البداوي، ولم نقدم على مشروع إنشاء محطة لاستقبال الغاز السائل في الجنوب لتغذية محطة الزهراني.
- استهلاك البنزين يجب أن يعقلن، وثمة بلدان عدة أقرت سياسات ناجحة على هذا الصعيد. وأول بلد أقدم على خطوة كهذه كان سنغافورة التي فرضت ضريبة مرتفعة على كل سيارة تقصد العاصمة ويقودها راكب واحد. والضريبة تنخفض حتى نسبة العدم تقريباً إذا كان العدد أربعة ركاب. والقصد من ذلك تشجيع المواطنين على تبني سياسات تعاونية جماعية.
كذلك من ركائز نجاح ضبط استهلاك البنزين تسيير وسائط النقل العام بكثافة ودقة، وحتى إنجاز خطوط للقطارات الكهربائية السريعة فوق الأرض وعلى ارتفاع لا يؤثر على حركة السير.
وثمة وسائل عدة أخرى منها استعمال الدراجات الهوائية، والسيارات الهجينة، وتأمين استعمال سيارات كهربائية عبر تسهيلات تأجير بدأت اعتمادها مدينة نيس.
- أي سياسة رشيدة لاستهلاك الطاقة تنطلق نحو وسائل الطاقة المتجددة، وتجهيز المنازل بالمواصفات التي تحد من استهلاك الطاقة، وإنشاء المجمعات السكنية التي تنخفض فيها معدلات استهلاك الطاقة.
وبالطبع السبيل الأنسب يتمثل في البحث والتنقيب عن النفط، لكن هذه العملية التي بدت وشيكة في لبنان لن تؤدي إلى النتائج المرجوة قبل انقضاء سبع إلى ثماني سنوات.
من هنا أن قضية استهلاك الطاقة قضية ملحة لاعتبارات الكلفة المتزايدة يوماً بعد يوم، والتلوث المضر الذي مصدره الأساسي الانبعاثات من السيارات ومصانع إنتاج الكهرباء المتقادم عهدها والتي لا تزال تستعمل زيوت الوقود وتعوزها الصيانة المستمرة.
القضية المطلوب من الوزير باسيل مواجهتها أكبر بكثير من موضوع البنزين الذي طرح من زاوية سياسية بحتة "للتعليم" على الطرف الآخر. وقد آن الأوان لكي يتذكر السياسيون أن لبنان أرض وشعب وليس فقط قطبين مسميين بأرقام.

بقلم مروان اسكندر  - النهار 6 أيار 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق