الثلاثاء، 26 أبريل، 2011

المستبدّون في مقابل القادة الحقيقيين


كما الحب والاحترام، لا يمكن شراء "القيادات" أو فرضها بالقوة على أحد، ذلك أن "القائد" يكون محبوبا أو موضع احترام بفضل مؤهلاته وأخلاقه وسجله وخدمته وتضحيته والتزامه حيال شعبه.
من يفرضون قيادتهم بالقوة على الشعب يسمون مستبدين أو ديكتاتوريين. يكونون عادة تعسفيين، ويحكمون بالترهيب ويبتكرون باستمرار أساليب لإسكات المعارضين. تكره الجماهير التائقة إلى الحرية عادة المستبدّين الذين يحكمون بزرع الخوف لأنهم يعرفون أن من شأن أي تليين لقبضتهم أن يهدد حكمهم.
ومع مرور الوقت تعتاد الشعوب التعسف من قادتها وتتأقلم معهم لا تنتقد النظام، ويخيل إليها أن هذه هي الطريقة المثلى للعيش بهناء.
طوال سنوات، رأى الشباب العرب أهلهم وأجدادهم يقبلون بالوضع القائم "ستاتوكو" ويسمحون له بأن يستمر من دون أي تحد. لكن كيلهم طفح من الاستبداد. ونظروا إلى من يسمونهم "قادتهم" فرأوا فيهم سجانيهم ومعذبيهم وحجر عثرة في طريق تقدمهم.

لقد سافر الشباب العرب إلى الخارج واستمعوا إلى الموسيقى الأجنبية وشاهدوا الأفلام وقرأوا الكتب والمقالات العربية والغربية التي تحظرها بلادهم لأنها تقدم وجهة نظر مختلفة. وتفاعلوا مع غرباء عبر الانترنت واستمعوا إلى آراء مغايرة عن المعزوفات المتكررة التي أصغوا إليها طوال حياتهم. رأوا العالم الحقيقي، وليس ذاك الذي رسم لهم. وأدركوا أنهم تماما مثل شباب العالم، لديهم التطلعات والآمال والأحلام نفسها ويملكون الكفايات عينها، وليس هناك ما يهابونه. حتى أنهم تعلموا أن في إمكانهم أن يخرجوا منتصرين من محاججة أو يسووا نزاعا من طريق الحوار عوض شن حروب ورفع جدران وحواجز. ولم يروا داعيا للاختباء في الزوايا خوفاً ممن تهيأ لهم انه عدو ضخم لمجرد أن عيونهم كانت شاخصة إلى الهزيمة عوض النصر.
كان الشباب العرب يراقبون، فيما كانت حكوماتهم تعتقل الناشطين والمدونين، وتهددهم، وتحتجزهم، وتعاقبهم عوض الاستماع إليهم وتوسيع آفاقهم وتوفير وظائف وفرص لنموهم وازدهارهم.
طالب الناشطون طوال سنوات بالإصلاح بطرق مختلفة. وانتهى الأمر ببعضهم في المنفى الاختياري أو القسري، وزج آخرون في السجون، وظل البعض ينتظرون بصبر أملاً في أن تتغير الأمور ذات يوم.
ليست الانتفاضات العربية مفاجئة لمن كان يراقب الشباب ودرجة الحرمان والنبذ التي كانوا يعانونها في مجتمعاتهم. ما يفاجئ هو توقيتها وسرعة انتشارها وفاعليتها. بيد أن تفضيل الشباب العرب الموت على العيش تحت جزمة الاستبداد، هو من شيم العرب. يكفي أن نقرأ الشعر والتاريخ العربي القديم لندرك كم أن العرب ذوو بأس وإباء. جل ما في الأمر أنهم وقعوا تحت سيطرة المستبدين وأزلامهم لوقت طويل. لكنهم استيقظوا وعسى أن يبقوا متنبهين.
أيها القادة العرب الأعزاء، سواء أكان بلدكم يشهد الآن انتفاضة أم لم يكن، سيأتي دوركم، إذ أن الشباب العرب سيطالبون بالحريات نفسها عاجلا أم آجلاً. بادروا الآن إلى التحرك فيما لا يزال في إمكانكم أن تصوروا أنفسكم أبطالا. أطلقوا إصلاحات حقيقية. افتحوا مجتمعاتكم وأعطوا شعبكم الحرية كي يتنفس ويشم عبق الحرية. دعوهم يعبرون عن أنفسهم، امنحوهم فرصة ليعيشوا ويؤدوا واجباتهم المدنية بحرية.
أشركوا شعوبكم في إدارة دولتهم وبنائها. ولتكن شركة حقيقية لا تقتصر فقط على الخطب والصور التذكارية.
وأفضل من ذلك كله تنحوا جانباً واسمحوا للأجيال الشابة بأن تتولى القيادة.
في أشهر قليلة، تمكن الشباب والشابات العرب من تحقيق ما عجزتم عنه في أكثر من ستين سنة. لقد غيروا نظرة العالم إلى العرب. اكتسبوا الاحترام والإعجاب. وأعطوا كثراً الأمل في أن التوق إلى الحرية شعور كوني وليس حكراً على مجتمعات معينة. دفعوا ثمن الحرية الباهظ ولا يزالون يدفعونه بدمائهم وحياتهم في تظاهرة تلو الأخرى، ومدينة تلو الأخرى، وبلد تلو الآخر.
انظروا من بعد، تروا انه خلافاً لقيادات مدى الحياة، قيادتهم مكتسبة وتستحق أن نسير خلفها!

بقلم أوكتافيا نصر – النهار 26 نيسان 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق