الأحد، 24 أبريل، 2011

هل هي ثورات أم ثوارة.. هل هم ثوار أم ثيران؟


الثورة: أن تثور أغلبية شرائح وفئات المجتمع بكل تنوعاته على النظام السائد بكل أنظمته وقوانينه ورموزه التي أسست للظلم والقمع والاستبداد والتطرف والتنازع المجتمعي والتخلف وساعدت على ترسيخ كل تلك العوامل بما يشوه فكر الإنسان ووجدانه ووعيه حتى يصبح مسخا وليس إنسانا. بحيث ترتقي متطلبات الثورة الجديدة إلى المناداة بالحرية الكاملة وليس بربع الحرية أو نصفها أو ثلاثة أرباعها, حتى لا يكون هناك في الشعب من يشعر بالتهميش أو الاستنقاص أيا يكون دينه أو عرقه أو لونه تحت أية مبررات.

الحرية الكاملة: بكل مقوماتها ومتطلباتها ودساتيرها مطلب سامي لكل ثورة حقيقية وإذا لم تتحقق تلك الحرية الكاملة بفعل ثورة فليس هناك ما يستحق أن يطلق عليه ثورة, بل إننا قد نطلق على كل انتفاضة تسفك بسببها الدماء وتقدم التضحيات دون أن تصل إلى مستوى الثورة الحقيقية: بالثوارة!

والثوارة: اسم مشتق من ثور, والثور زوج البقرة, وعادة ما يطلق اسم ثور على كل آدمي يتصف بالغباء وبعدم صفاء الذهن ولكونه يسير في طريقه بدون هدي من عقله وتابعا لمن يقوده دون رؤى واضحة أو هدف ينشده.

والثوار الحقيقيون في كل زمان ومكان: رجال تشبعت أرواحهم بعشق الحرية, مما يدفعهم أن يثوروا مضحين بتلك الأرواح وهم على يقين أن الموت في سبيل الحرية كالعيش في أجواءها: طلبا للحياة المنعتقة عن كل قيد واستبداد سواء كانت تلك الحياة على وجه الأرض أو في رحب السماء.

وعندما لا يحقق أولئك الثوار حلمهم الذي انتفضوا من أجله وهو الحرية الكاملة التي لا يتسلق شموخها مرتزق ولا منافق ولا طائفي أو عنصري أو مدع لامتلاك الحقيقة: يصبحون ثيرانا وليس ثوارا.

انتفاضة تونس: من وجهة نظري هي الأقرب إلى الثورة برغم أنها لم تصل إلى مستوى الثورة الحقيقية وقد تم استثوارها بمعنى (ثوارة) كونها لم تقم بدور الثورة الحقيقي مثلما عملت الثورة الفرنسية كي تجب ما قبلها وتبني واقعا جديدا يؤسس على دستور جديد يمثل كل الشرائح دون النظر إلى فخ يجعل من الدستور قاصرا ومن النظام القادم معاقا, علما أنه لم يتسلقها انتهازيون كثيرون مثلما حدث في الانتفاضة المصرية والليبية واليمنية والبحرينية.

أما الانتفاضة المصرية: فقد كانت ثورة بريئة بالنسبة إلى الشباب الثائر في بدايتها لكنها استثورت بمعنى (ثوارة), حيث تسلق رجال الدين على سلالم أحلام وطموحات وجموح الشباب ليجعلوا منها ثورة ضد الإقطاعيين الذين خرجوا من الباب ليعود بدلا منهم رجال الدين, بينما كانت الثورة الفرنسية ضد الإقطاعيين ورجال الدين القساوسة في نفس الوقت وهذا ما خولها أن تكون ثورة حقيقية بمعنى الكلمة.

أما الانتفاضة الليبية: فقد كانت أيضا كالثورة التونسية والمصرية في بداياتها, لكنه أريد لها أن تكون ثورة قبائل ولها صبغة رجال الدين ضد الإقطاعيين والعسكر كما أنها تشوهت بالتدخل الأجنبي الذي لم يكن صادقا في فزعته بقدر ما كانت له أجندته الخاصة, والدليل أن الغرب قد استنجد مبكرا بالجامعة العربية كي تشرعن تدخله كعادة الجامعة العربية التي تعمل بالريموت كنترول لخدمة مشاريع غربية أكثر من أن تفكر لنجدة شعب عربي, ولو كان الغرب صادقا في نجدته للشعب الليبي لعمل نفس النجدة لشعب عربي آخر سواء في اليمن أو مصر أو غيرهما, بل أن استخدام الشعب الليبي للسلاح مبكرا قبل أن يستنفذ العصيان المدني وقته ويؤدي رسالته قد افسد على الليبيين ثورتهم وتم اللعب على قبلية الشعب الليبي التي تحبذ العنف واللجوء إلى النعرة أكثر من الاستناد إلى القيم المدنية, واعتقد أن التدخل الغربي يعمل على إطالة الحرب كي يحقق أهدافا كثيرة أهمها التخلص من الكثير من الأسلحة المكدسة والقديمة المدفوعة مسبقا من أرصدة بعض الدول العربية الصغيرة التي تتباهى بحضورها الشكلي بعض المؤتمرات الغربية وكأنها من الدول المهمة في حلف الناتو والأمم المتحدة وبحضورها الإعلامي الذي يوجه العقل العربي بما يخدم السياسة الغربية أكثر من خدمة الثورات العربية التي (استثورت) بمعنى (ثوارة) وتم الالتفاف عليها بما يعيد عقارب الساعة إلى الوراء كي يعود الوعي أيضا ليس للعقل العربي المغيب وإنما لكي يعود بالعقل العربي إلى ما قبل عصر الانتفاضات التي كادت أن تكون ثورات فأصبحت (ثوارة).

ومن يريد أن يتأكد من العمل الخطير لتلك الوسائل الإعلامية (المستثورة) التي تستثور عقل العربي كلما لاحت له فرص التغيير الحقيقي , فليرجع إلى مرحلة سقوط صدام وكيف أشعلت تلك القنوات حربا طائفية في العراق تحت تبرير أن أغلبية العراقيين عندما تخلصوا من طاغيتهم كانوا خونة يجب قتلهم , وكان ذلك التوجه الإعلامي رغم تقمصه دور النضال والبراءة يدعو إلى ذبح طائفة واحدة برغم أن كل فئات الشعب العراقي شاركوا في الترحيب بمجيء القوات الغربية لاحتلال بلدهم وطرد الطاغية. وقد خدمت تلك الحرب الطائفية المشروع السياسي لقوات الاحتلال في العراق بشكل كبير. ومن يتمعن هذه الأيام في بعض تلك الوسائل الإعلامية سيجد أنها لم تخون الشعب الليبي مثلما خونت الشعب العراقي, بل ولم تبد أية ممانعة ضد المجلس الانتقالي الليبي ولم تصفه بالخيانة بل تقف بقوة مع الضربات التي تقوم بها قوات التحالف الغربي ضد النظام الليبي برغم إيماننا أن النظام الليبي نظام استبدادي وحاكمه طاغية لكنه أقل طغيانا وأقل استبدادا من صدام ونظامه وكلاهما يستحق الطرد والشنق والسحل!!

وهكذا تكون الانتفاضة اليمنية: التي يراد لها أن تكون ثورة رجال الدين ومشائخ القبائل ضد الإقطاعيين والعسكر. حيث نرى تسابق مشائخ الدين ومشائخ القبائل أحلاف النظام الدكتاتوري وهم يعلنون تبرؤهم من النظام الذي كانوا يتآمرون معه ضد كل أطياف الشعب ليجدوا لهم مكانا جديدا في أي واقع جديد حتى يصلون إلى مرادهم ومطامعهم في الحكم مثلما يريد رجال الدين في مصر والقبائل في ليبيا.

أما في البحرين: فإنهم مهما عملوا سواء كانوا صادقين في توجههم وفي ثورتهم وفي سلمية مظاهراتهم ونقاوة نواياهم أو كانوا غير صادقين, فلن تنجح مطالبهم إلا بمعجزة من السماء, لأنهم من جهة يهددون مصالح أمريكا والغرب كونهم من وجهة نظر الغرب والعرب محسوبين على إيران التي لا زالت تتصارع مع الغرب على كعكات الخليج , ولأنهم شيعة بالنسبة للعرب. ولن يتغير الحال في البحرين إلا إذا كانت الثورات العربية حقيقية, لأن الثورة الحقيقية لا تؤمن بالطائفية, أو أن يتم تقاطع مصالح بين أمريكا وإيران, حينها تتغير الأمور ويصبح البحرانيون بالنسبة لأمريكا والغرب شعب يستحق النجدة دفاعا عن الإنسان فيه وسوف نشاهد القنوات التلفزيونية بما فيها القنوات العربية الفضائية التي تخرس أو تتحدث حسب المحرك الريموتي الغربي, سوف نشاهدها ترسم المشهد البحريني بشكل دراماتيكي تراجيدي مأساوي مختلف, لا يحتمل البقاء أياما دون أن يقوم مجلس الأمن بإصدار قرارات ملزمة بالتدخل السريع العاجل.

والغريب أن الشعب الفلسطيني: يثور منذ ستين سنة ليس ضد حاكم طاغية وذلك أسهل, لأنه على الأقل يكون الحاكم الطاغية من إنتاج الشعب, وإنما ضد قوة احتلال لا تبالي بقرارات أمم متحدة ولا بحقوق إنسان ومع ذلك لم نر قوات غربية تتحرك بناء على قرارات أمم متحدة تمنع الإسرائيليين من ضرب العزل في غزة, ولم نسمع عن طائرات عربية تنتفض في السماء كي تشارك في ضرب الطائرات الإسرائيلية عندما تبيد الفلسطينيين. بل إنني منذ أن وعيت هذه الحياة لم أر طائرة عربية تحلق في السماء لتضرب عدوا سوى تلك الطائرات العربية التي تهدد بضرب الجماهير المتظاهرة في القاهرة وليبيا واليمن وبعض الدول العربية الأخرى. وكأن هذه الجيوش العربية وهذه الطائرات المشتراة من الغرب ليس لها من مهام سوى قمع هذا الإنسان العربي الذي يثور فجأة ويستثور فجأة ويعود إلى واقعه وديعا مطيعا خانعا بمسحة مشعوذ أو بتفلته التي لا تزال تنافس أجدر المستشفيات العالمية على العلاج بالأشعة النووية!

والأغرب: هو ذلك النوع من الوعاظ الذي تحول إلى كهنوتي بفعل جهل العقل العربي وتجهيله, الذي يجيد ممارسة الدور السياسي المزدوج عندما يلبسه ثوبا دينيا, فتجده يخطب في الجموع مخاطبا عواطفهم بما يجعله في عيونهم مناضلا كبيرا, لكنه بكل ذكاء ودون أن تدرك تلك الجماهير المستثورة حقيقة الواعظ الخطير يؤثر في العقول بما يخدم السياسة الغربية التي يدعي عداءه لها, ومن كثرة ما تخدر العقل العربي المجهل بفعل الوعاظ , لو خطب واعظ من فوق بارجة أمريكية يدعوهم لمحاربة أمريكا لصدقوه دون أن يتساءل فيهم العقل المغيب كيف يدعونا ذلك الواعظ إلى محاربة أمريكا وهو على بارجتهم أو في قاعدتهم؟!

هكذا هي ثورات العرب : مجرد (ثوارة) وليست ثورات حقيقية ما دام أن تلك الحشود الصادقة العفوية ذات الأغلبية الساحقة قد سلمت ثوراتها للمتسلقين والخونة والمرتزقة وبائعي الذمم كي يلتفوا عليها وكدليل على أن الشعوب العربية الثائرة لم تصل إلى مستوى النضج الحقيقي كي تثور ولم تعرف القيمة العظيمة للحرية. كانت تلك الشعوب ترزح تحت أنظمة قاسية وظالمة استبدت ونهبت الثروات وأفسدت الصحة والتعليم والبيئة والغذاء وعندما عبرت الشعوب عن رفضها للظلم والاستبداد دخل الاستبداديون المعارضون على خط المظاهرات واستغلوا ثورة الشباب الصادق المنادين بالحرية حتى تحقق ما أراده أولئك المستبدون الجدد عندما تم طرد المستبدين القدامى ليتم الالتفاف على ثورة الشباب بعد أن ضمن المستبدون الجدد الوصول إلى كراسي الحكم, ليذهب الطغاة الإقطاعيين والعسكر وليجلس مكانهم الطغاة الجدد الذين سوف يلبسون عباءات أخرى يحكمون بها عقودا طويلة, وكأنه حكم على هذا الشعب العربي أن ينتقل من حكم طاغية إلى طاغية آخر أشد دون أن يكتب له العيش ككل شعوب الأرض حرا كريما.

هاهم الطغاة الجدد : يرتبون أمورهم استعدادا للجلوس على الكراسي وسوف تتغير خططهم وسياساتهم, ولن نسمعهم يتحدثون عن كل ما كانوا ينادون به من حريات وحقوق إنسان وتحرير فلسطين ومعاداة أمريكا وإسرائيل و الغرب, ونحن لا نريد أنظمة تحكم كي تعادي العالم والشعوب, وإنما نريد أنظمة ديمقراطية تعمل من اجل نهضة ورفاهية شعوبها المتخلفة, لكننا من باب التذكير نؤكد للناس أن الالتفافيين الذين لا يزالون يتسلقون ثورات الشباب ويماطلون في كتابة دساتير جديدة ويؤدلجون الثورات حسبما يريدون: هم في الحقيقة انعكاس لوعي عربي لم ينضج وهذا هو سر الانتكاسات الخطيرة التي ربما تعيد جموح الشباب وثوراتهم إلى الوراء ليستبد بهم الطغاة الجدد الذين بدأت ملامح وجوههم تظهر بعد أن كانت تتستر وسط الجماهير الثائرة مدعية التظاهر من اجل الحرية التي امتطوا ظهر الدعوة لها كوسيلة تبرر الوصول للغاية الأهم وهي السلطة التي ما أن يستلذوا بنعيمها حتى ينقلبوا على كل المطالب والدعوات والمبادئ التي كانوا ينادون بها ويعارضون الأنظمة القمعية المطرودة.

يؤسفني أن أشكك في تلك الثورات وقد كنت من أول المهللين لها بعد أن رأيت المتسلقين المتضرسين في الالتفاف يصعدون على آهات الشباب ويبحرون على أمواج دماءهم المسفوكة من أجل الحرية وبعد أن تحولت الميادين إلى ساحات للمواعظ والتخدير والكآبة وقد كانت في أيام معدودة مسارح للاحتفال بالفرح برغم الدماء الطاهرة والدموع الذارفة العاشقة للحرية.

لكن الانتفاضة التي تخلع نظاما استبداديا وتضع مكانه نظاما استبداديا آخر لا تكون ثورة بقدر ما تكون (ثوارة), والثوار الذين يقدمون التضحيات في ميادين التحرر ليسوا ثوارا حقيقيين مادام أنهم قد سلموا مصير مستقبلهم للمتسلقين والمشعوذين كي يصلوا إلى الكراسي وليحيلوا الثوار (ثيرانا) بفعل قصور الوعي والنضج لدى تلك الحشود التي ثارت بحثا عن قليل من الحرية فوجدت من يستغلها كي يجعلها تطالب بكل الحرية وعندما رحل النظام الاستبدادي القديم, عمد الطغاة الجدد إلى تقزيم الثورات وأحلام الشباب ومصادرة حقهم في حرية كاملة كي يبقى الحلم أقل من أن ينال الناس نصف الحرية!

أعلنها بكل ثقة وأتحمل مسئولية ما أقول..

ليست ثورات... بل (ثوارة)

ليسوا.... ثوارا وقد حولهم المستبدون الجدد إلى (ثيران).

لأن الثورة الحقيقية: لا تطرد إقطاعيا أو جنرالا كي يجلس مكانه طربوش أو عمامة.

بل: تطرد الإقطاعي والجنرال والطربوش والعمامة وتقول للعقل: اجلس هنا.. أنت الرئيس, والتاج, والإمام, وولي الله في أرضه.

لكن العقل: لا يستطيع أن يشع بنوره إلا في عالم الحرية الكاملة..

العقل: لا يؤمن في ربع الحرية أو نصفها أو ثلاثة أرباعها... ولا يحتكم سوى لرأي الأغلبية التي نضج وعيها, وسمت أخلاقها, حتى أيقنت أن الدين لله والوطن للجميع الذين يجب أن يكونوا جميعهم سواسية تحت القانون المنبثق من دستور يكتبه الشعب, لكل الشعب, ويحوي كل القيم الإنسانية التي تحترم الإنسان أيا كان جنسه أو دينه أو لونه أو مسقط رأسه.

العقل: الذي يخلقه الله في رأس ثائر وليس في رأس ثور.

لأن عقول الثائرين: تصنع ثورة حقيقية.

وجماجم الثيران: لا تصنع شيئا لأنه ليس فيها عقول.

فهل كنت متشائما في نقدي (للثورات) التي تحولت بفعل المستبدين الجدد إلى (ثوارة), وفي نقدي للثائرين الذين أخشى عليهم أن يصبحوا ثيرانا؟!!

أم أن الأيام حبلى بالمفاجآت والثورات والثائرين؟!

لكن المؤشرات الأولية وقد اتضحت صورتها لتكشف لنا أن العرب لا يزالون ضمن دائرة الظاهرة الصوتية , وان عواطفهم أقوى من عقولهم, ومشعوذيهم أقدر على قيادتهم من أي عالم فذ فيهم, والدليل على كلامي هذا الذي أراهن عليه هو:

أين البرادعي وأحمد زويل.. في ظل حضور الواعظين؟!

الم يختفيا تماما من الساحة وقد كانا أهم أنوارها في بداية ثورتها؟!

ألم يحل الوعظ بدل العلم الذي بسببه حصل العالمان البرادعي وزويل على جائزتي نوبل؟!

إن ثورة تتنازل بهذه السرعة عن عقلين بحجم البرادعي وزويل.. ليست ثورة حقيقية.. بل انتفاضة تحولت إلى (ثوارة)!

وان ثوارا يسلمون ثورتهم للواعظين بعد التضحيات الجسيمة التي قدموها من اجل حريتهم.. قد أصبحوا بكل أسف.. ثيرانا!

سالم اليامي GMT 6:34:00 2011 الخميس 14 أبريل - إيلاف

0 تعليقات::

إرسال تعليق