السبت، 26 يناير، 2002

بائعات الدعارة الـمســتترة


بائعات الدعارة الـمســتترة
بائعات الدعارة الـمســتترة
لا أدري إذا كان من حقي كتابة هذه الأشياء. منير (ولنقل إن هذا اسمه)، روى الأمور ببساطة، كمن يروي أمراً عاديا في حياته اليومية. وعندما طلبت منه إعطائي بعض الصور التي التقطها رفض في شكل قاطع، وقال انه \"سر المهنة\".
لكن المهنة فقدت أسرارها، ولم يعد البحث عن حكاياتها يتطلب مجهودا خارقا، أو عملا استثنائيا، فحكايات \"الهوى\" أو الدعارة على الطريق، وما علينا سوى التقاطها.
لكن حكايات منير سحرتني. مصوّر فوتوغرافي في الثامنة والعشرين، مربوع القامة، يصغّر عينيه حين يتكلم معك، كأنه يحاول إدخالك في كادر موجود في خياله، ويأكل البزر الصغير، من دون أن يستخدم أصابع يديه. يضع حبة البزر في فمه، يقشرها بين أسنانه، ثم يبصق القشور في يده، وهو يتحدث بلا توقف.



عندما رآني انظر بدهشة إلى طريقته في تقشير البزر، فتح كفه اليمنى وقال لي: تفضل. قلت: لا، شكرا. لكنه لم يقتنع بشكري، فأصر شارحا لي أن الفائدة الأساسية للبزر، هي مساعدته في التوقف عن التدخين.
أشعلت سجارة، وطلبت منه أن يروي لي أكثر. منير مصوّر فوتوغرافي التقى من طريق المصادفة بالسيد ج. الذي يعمل مزينا للسيدات في بيروت، ومن دكان الحلاق النسائي، مثلما نسميه، انطلقت المغامرة التي لا ينظر إليها منير في وصفها كذلك، بل يرى فيها \"أكل عيش\"، وبابا للرزق، لا أكثر ولا اقل.
حين سألته عن أعمار الفتيات، ومستوياتهن التعليمية، أعتقد أني اسأله عن الأخلاق، فدافع عن نفسه بطريقة لا تخلو من الطرافة، وقال إن الهدف الأسمى للأخلاق هو السترة، وان زبوناته حين يأتين إلى الأستوديو من اجل التقاط صورهن، لا يبغين سوى السترة.
\ "سترة \"! قلت.
\ "نعم \"، قال، \"وإذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا، ألا يقول الناس في كلامهم اليومي، الله يستر، والله يستر آخرتنا، هذا ما تحاوله فتياتـ (ي). يشتغلن من اجل السترة\".
لم يفهم منير في البداية، إني لم أكن أقصد من أسئلتي تخجيله أخلاقيا، بل كنت ابحث عن متعة المغامرة، التي اختفت في ممارسات أقدم مهنة في التاريخ. يقولون إنها أقدم مهنة، وهذا خاطئ بالطبع، إذ لا يمكن أن يكون البغاء أقدم مهنة، لأنه يفترض وجود مهن أخرى، تسمح لأصحابها بممارسته، ودفع ثمنه. لكن كلمة أقدم مهنة تدل على الطابع الأسطوري الذي أُسبغ عليها، من \"المومسات المقدسات\" في حضارة ما بين النهرين القديمة، إلى \"مدام كلود\" في الحضارة الغربية الحديثة. بالطبع يجب أن لا نهمل الطابع السحري الذي ارتسم من حول مومسات مصر ولبنان في الزمن الحديث والمعاصر. فصور كوتشوك هانم في مصر، وعفاف في بيروت، وصولا إلى ماريكا اسبريدون، دخلت المتخيل الجماعي واستقرت فيه، بوصفها حكايات تحمل الجمال والمأساة والتحدي.
لم أرد من حواري مع منير، أن أبدو كأني غارق في نوستالجيا زمن مضى، بل كنت في الحقيقة ابحث عن الشكل الجديد الذي تتخذه الدعارة في لبنان، وربما في العالم بأسره، في زمن ما بعد الحداثة.
الأسطورة التي تشكلت من حول هؤلاء النسوة، جاءت من اجتماع ثلاثة عناصر:
العنصر الأول، عنصر السحر الأدبي، وربما الاستشراقي، الذي عبرت عنه علاقة الكاتب الفرنسي فلوبير براقصة، أو \"غازية\" بلغة القرن التاسع عشر، التقى بها في أسنا في صعيد مصر، واستوحى منها مشهدا في روايته \"تجربة القديس انطونيوس\" La Tentation de St. Antoine عندما تقترح ملكة سبأ على القديس أن ترقص له رقصة النحلة.

بائعات الدعارة الـمســتترة
كوتشوك هانم أدخلت هذه الرقصة الداعرة في الأدب العالمي: تقوم الراقصة بادعاء وجود نحلة بين ثدييها، فتبدأ في التأوه، ثم تحاول القبض على النحلة التي تتسلل إلى داخل جسمها، مما يضطرها إلى خلع ثيابها، في مزيج من الرقص والتعري الذي ينتهي بممارسة الجنس. فلوبير افتتن بالراقصة المصرية وبحكايتها، وهو في ذلك ليس الكاتب الأول ولا الأخير، الذي استهواه هذا العالم السفلي بكل تناقضاته وتراجيديته.
الشيّق في حكاية كوتشوك هانم هو مأساتها ومآسي جميع غوازي مصر، زمن محمد علي، الذي اصدر قرارا بطردهن من القاهرة والإسكندرية عام 1836 إلى صعيد مصر.
الاقتراب من السلطة ثم معاناة المنفى، كان مصير راقصة النحلة، التي قدمت الصورة الأولى للفنانة - المومس، في الثقافة العربية الحديثة.
العنصر الثاني، الجانب الفضائحي، الذي جسدته في تاريخ لبنان الحديث، امرأة عُرفت باسمها الأول: عفاف. وفضيحة عفاف التي فجّرها المحامي والصحافي اللبناني الراحل فكتور خوري على صفحات مجلة \"الحوادث\" عام ،1956 هزت الوسط السياسي اللبناني، الذي تورط في دعارة \"رفيعة\" المستوى، منحطة الأساليب، كانت الثغرة الأولى في عهد الرئيس كميل شمعون، والفضيحة التي سبقت حوادث .1958
العنصر الثالث، الجانب السحري - الغامض، الذي جسدته سيدة مومسات لبنان، ماريكا اسبريدون، عبر نجاحها في خلع الاسم عن المسمى. فصار اسم ماريكا، لا يدل على امرأة في عينها، بل على المهنة بأسرها.
وماريكا، اليونانية الأصل، كانت سيدة شارع المتنبي أو سوق البغاء الرسمي في بيروت، ويقال إنها كانت تذهب إلى قداس يوم الأحد في الكنيسة الأرثوذكسية، وإنها أهدت إحدى أجمل الثريات إلى الكنيسة، لكن الحرب دمرت شارع المتنبي ودمرت معه ثريا السيدة ماريكا التي ماتت وحيدة ومعزولة في فرن الشباك، في منزلها الصغير، ولم ينتبه احد إلى نهايتها.
عندما درس سمير خلف، مع مجموعة من طلبة الجامعة الأميركية في بيروت الستينات أحوال السوق العمومي، واصدر كتابه الرائع: \"البغاء في مجتمع متغير\"، كانت أحوال السوق إلى انحدار. فهذا المكان المغلق على الطريقة العثمانية، بدأ يتلاشى بسبب القوانين التي منعت تجديد العاملات فيه. وبسبب خروج الدعارة من الدائرة المقفلة واحتلالها ليل بيروت الستينات، الذي صنعه \"ملوك ليل\" يمزجون على الطريقة الحديثة، بين البغاء والمخدرات والجاسوسية.
كنت أعلم، وأنا استمع إلى منير، إني لن أجد صدى للأساطير القديمة التي احتلت مخيلة شبابنا المبكر. فالحرب جاءت لتحطم جدران الليل البيروتي، قبل أن يأتي زمن السلام المليء نفطا وقمعاً، ويقوم بإدراج المهنة في سياق جديد، سوف تبيّن لنا ملامحه، أن غموضه الواضح، لا بد أن ينتج شخصيات درامية لا تزال مختبئة الآن في زوايا الحكاية التي لم تُحكَ.
لكن قبل أن أعود إلى المصور منير، وحكايات صوره، أريد أن أشير إلى تحقيق حاولت القيام به في أواخر السبعينات، أي في عز الحرب، عن الدعارة والحرب، حين اكتشفت شبكات جديدة للدعارة، تديرها قوى الأمر الواقع، (هكذا كنا نسمي الأجهزة الأمنية التابعة للميليشيات)، وتقوم على تشغيل فتيات قاصرات في ما يمكن أن نطلق عليه اسم نصف دعارة، مستعيرين عنوان فيلم السيد بدير، \"نصف عذراء\" (1961)، التي شاركت في بطولته زبيدة ثروت.
نصف الدعارة تقوم على شبكة من فتيات المدارس اللواتي كن يمارسن المهنة كهواية، بينما يديرها قوادون محترفون.
أما شكل هذه الدعارة فينقسم نصفين:
النصف الأول أن الفتاة لا تأتي إلا بعد الظهر، وعلى الزبون أن يدبّر المكان، وعليه أيضا أن لا يسأل عن اسم الفتاة أو يطلب موعدا معها، فالمواعيد يجب أن تمرّ عبر القواد، وإلا تعرضت حياة الزبون للخطر.
النصف الثاني أن عددا كبيرا من الفتيات كن عذراوات، ويصررن على البقاء كذلك، إذ لم تكن قد شاعت بعد موضة رتق العذرية عبر جراحة صغيرة، صارت اليوم أكثر سهولة من شرب الماء. لذلك كان على الزبون أن يكتفي بالملامسة، والعلاقات الشفهية، وكان عدد قليل من الفتيات يرضى بالسودمة. أما الأسعار فكانت بين 15 و25 ليرة لبنانية، أي بين 5 و8 دولارات بأرقام هذه الأيام.
بدأت هذا التحقيق، واكتشفت العجب، لكني توقفت عن متابعته، ليس خوفا من قوى الأمر الواقع، والعياذ بالله، ولكن بحثا عن السترة، في زمن الحرب الذي تمزقت فيه كل الستائر.
ولأن الشيء بالشيء يذكر، كما قالت العرب، فإن كلام المصور منير عن \"السترة\"، ذكّرني بمحاولتي الفاشلة للتقصي عن الدعارة في زمن الحرب، فقلت في نفسي إني سأكتفي من بحثي الحالي بما سيخبرني به هذا المصور البندوق، الذي يعتقد أن الحياة لعبة فهلوية لا أكثر ولا اقل.
قال منير انه بريء، وانه عرف ما يجري من طريق المصادفة. كل ما في الأمر، أن المزيّن ج، صديقه، طلب منه أن يصوّر بعض الفتيات في شكل طبيعي ومن بوزات عدة، أي انه يريد أن يظهر جسم الفتاة أيضا، لا أن يكتفي المصور بتسريحات الشعر الجميلة التي يصنعها ج.
\"لم اسأله لماذا\"، قال منير: \"كان يرسل لي حوالي عشر فتيات أسبوعيا، وكنت أقوم بتصويرهن بحسب الطلب، من دون أن آخذ وأعطي معهن. فالفتيات، كما بدون لي، كن بنات عائلات وطالبات جامعيات وعارضات أزياء. كنت اكتفي بأن أقوم بعملي من إضاءة وديكور ومؤثرات، وأرسل الصور إلى ج، واقبض الثمن\".
قال منير انه شعر بأن هناك \"إن\" في الموضوع، لذلك طالب بزيادة في الأجر، ووافق ج. من دون اعتراض، مما زاد في شخشبته، إلى أن ظهرت سهام، وهذا ليس اسمها الحقيقي بالطبع.
\"ماذا جرى لسهام؟\"، سألته، وأنا أعتقد إني وقعت على حكاية. لا بد أنه وقع في غرامها، وبدأت الغيرة تأكله، وتطورت الأمور، أو هي في طريقها إلى التطور، بحيث سوف تقود إلى أحداث مثيرة، وما إلى هنالك.
لكن شيئا من هذا لم يحدث.
قال منير إن سهام جاءته للمرة الثانية من اجل أن يلتقط لها صورا بلا موعد. في العادة، يرتّب ج، المواعيد للفتيات، أما سهام فجاءت وحدها وطلبت من المصور أن يساعدها على تغيير شكلها وماكياجها قبل أن يلتقط لها صورا. \"وعندما سألتها شو القصة\"، اخبرني وانفتحت عيناي على الحقيقة\".
سهام، مثلما فهمت، كانت قد ذهبت في رحلة فاس، ثم توقف الشيخ الخليجي عن استدعائها، وهي تعتقد أن هناك مؤامرة حاكتها ن. القوادة الأساسية التي يتعاون معها ج، بالاشتراك مع الفنانة ك، وهي مطربة درجة ثانية أو ثالثة.
قالت سهام أن المطربة خافت منها، لأنها غنت ورقصت وسحرت قلب الشيخ حمد، لذلك قررت عدم إرسال صورها، وهي سوف تسربها إلى ج. من دون علم القوادة.
الحكاية إذاً متشعبة، فهناك الصور، ثم هناك السفر، ثم الرقص والغناء قبل الوصول إلى الموضوع.
قال منير انه صوّرها، وأرسل الصور إلى ج، لكنه لم يرها بعد ذلك، غير أن الحكاية اتضحت في رأس المصور، مما جعله يتفنن في الصور، ويأخذ من الفتيات إكرامية إضافية، من أجل تقديم عناية خاصة للصورة.
المسألة إذا بسيطة وواضحة:

بائعات الدعارة الـمســتترة
دور المزين هو إغراء الفتيات بأخذ الصور وبالسفر ليلة أو ليلتين للقاء شيخ أو أمير خليجي، وهذا يتم في الغالب في إحدى مدن المغرب الأقصى، بعيدا عن عيون الرقباء.
القوادة ن، وهي تعمل في حقل التجميل، ترسل الصور إلى الشيخ أو الأمير الذي ينتقي من بينها سبع فتيات، يتم تسفيرهن بالطائرة درجة أولى إلى المدينة المذكورة، حيث يذهبن مباشرة إلى قصر موجود في إحدى الضواحي الراقية.المطربة، تسافر مع تخت صغير، من أجل إحياء ليلة عامرة، تلعب فيها الفتيات دور الغواية، عبر الرقص وما شابه في حين يضفي الغناء جوا خاصا على السهرة. الشيخ أو الأمير، يكون الرجل الوحيد في السهرة، وفي نهايتها ينتقي فتاة واحدة يقضي معها الليل. جميع الفتيات يتقاضين مبلغ 2000 دولار أميركي، ما عدا الفتاة التي وقع الاختيار عليها، فهي تتقاضى بحسب كرم الشيخ أو الأمير وبحسب أدائها، وقد تصل إكراميتها إلى 10 آلاف دولار وهو المبلغ نفسه تقريبا الذي تتقاضاه المطربة.
وفي الصباح تعود المجموعة إلى المطار كي تسافر إلى بيروت.
سألت منير عن الفتيات، فقال \"والله بنات عيل يا أستاذ، أكثريتهن طالبات جامعيات أو عارضات أزياء، ويتكلمن الإنكليزية والفرنسية\".
وماذا يجري مع الفتاة التي يختارها الشيخ؟
\"لا شيء يا أستاذ، كبّر عقلك، بتتحمم وبترجع عند أهلها أو عند زوجها وهكذا\".
ما هو الهكذا؟ سألته.
\"الهكذا، هو انه تصدير، اعتبرها مصدرا للدخل القومي، شو فيها؟\".
لم افهم ماذا يجري بالضبط، قلت لمنير.
\"شو بعرفني\"، قال.
\"يعني لمن بيرقصوا بيلبسوا بدلات رقص شرقي\"؟
\"شو هالحكي المتخلف\"، جاوبني \"بيرقصوا مودرن، أكيد شوية رقص عربي وافرنجي وهز بطن وإلى آخره بس رقص مودرن\".
\"يعني متل فيفي عبده\"؟ سألته.
\"لا يا أستاذ، هيدول مش رقاصات، هيدول شرا...\".
وعندما رأى منير علامات الشك في عينيّ، أراني مجموعة كبيرة من الصور لفتيات في أوضاع مختلفة، يلبسن بنطلونات أو فساتين قصيرة، ويضعن على وجوههن مسحوقا يميل إلى البياض، بحيث بدون متشابهات.
التفت كي اسأله عن سر التشابه، فأجابني عن سؤال آخر، قال أن الزبائن يركزون على الوجه كثيرا، ويحبون الفتيات البيضاوات، لذلك يقوم ج. بعملية تبييض للوجوه تجعل من الجميع جميلات ومتشابهات.
قال منير أن كلام سهام غيّر نظرته إلى الأمور، \" لم اعد مجرد مصور فوتوغرافي، بل صرت شريكا خفياً في العملية\".
حدثني عن فتيات يبقين عذراوات، لأن السودمة شائعة في حالات كهذه، ثم روى عن شيخ لا يحب استخدام الواقي الذكري وعن معاناة السيدة د. وهي سيدة متزوجة عادت إلى لبنان من رحلة إلى إحدى إمارات النفط في الخليج، وهي تحمل مرضا جنسيا عابرا، قادها إلى الطلاق من زوجها، الذي شك في علاقتها بأحد أصدقائه، فما كان من المرأة سوى تأكيد الشك خوفا من افتضاح أمرها، وهكذا أقامت شبه علاقة مع الصديق، ووصلت إلى الطلاق وأصبحت شبه محترفة.
الجو العام ليس احترافيا، رحلة أو رحلات عدة قصيرة إلى بلد شقيق، وتستطيع الطالبة أو عارضة الأزياء حل مشكلتها المادية، هذا كل ما في الأمر، أكد منير \"أنها ليست دعارة حقيقية، أنها هواية\".
قال منير أن مركزي الاستقبال الكبيرين لهذا النوع من الأنشطة هما المغرب الأقصى وإمارات الخليج. \"يعني من المحيط إلى الخليج يا أستاذ\". \"ولكن ماذا عن الاستهلاك هنا في لبنان؟\" سألته.
قال المصوّر انه لا يتعاطى مع هؤلاء الفتيات لأن جوهن مختلف، هو يفضل المحترفات اللواتي يعملن في السوق المحلي، وهؤلاء أسعارهن بين 30 ألفا و100 ألف ليرة لبنانية، وهن متوافرات بكثرة، أما عن طريقة الهاتف، أو عبر التقاطهن في الطريق.
وبدأ يروي عن امرأة في السابعة عشرة، وعن فتاة التقى بها على الطريق الساحلي بين طرابلس وبيروت، وعن بيوت عادية تسكنها عائلات تأخذك الفتاة إليها لمدة ساعة من الزمن لقاء اجر معلوم، وعن علاقات توحي كأن الدعارة لا تقف عند حد.
وهنا بدأت اشك في كلامه، لكنه اقترح عليّ أن اذهب معه إلى إحدى الشاليهات، بعد أن نكزدر بالسيارة ونلتقط فتاتين، وروى كيف أن التقاط الفتيات يتم في العادة من طريق الأوتوستوب، وان المسألة لا تحتاج إلى ذكاء. تركب معك الفتاة فتسألها إلى أين، فتقول \"لقدام شوي\"، عدم تحديد المكان هو الكلمة السرية، أنها مفتاح المفاوضات حول السعر والمكان وإلى آخره...
سألته، ولكن لماذا، وهو يعمل مع فتيات جميلات ويستطيع لو أراد.
قال انه لا يحب أن يمزج العمل باللهو، \"الشغل شغل، أنا بشتغل مصوّر عند الخواجه ج، ولمن بدي إنبسط، بروح بشوف طريقي، شو أنا أمير؟\".
ثم حدثني عن امرأة لبنانية متزوجة عمرها 23 عاما، تسكن في مدينة ساحلية وتتحدث دائما عن زوجها الذي يرافقها في السيارة، عندما تقوم بإيصال الفتيات إلى المكان المطلوب، وفتياتها بين السابعة عشرة والتاسعة عشرة، بعضهن عذراوات، متعلمات، ولا شيء فيهن يدل على المهنة، وأسعارهن تبدأ بمئة ألف ليرة وما فوق، وهن لا يقضين مع الزبون أكثر من نصف ساعة. العملية بأسرها تجري عبر الهاتف الخليوي، تتصل بالمرأة فتحدد لك موعدا وتجلب لك الفتاة بسيارتها.
\"ومن يحمي هذه الشبكات\"؟ سألته.
\"ولو يا أستاذ، الذي يحكم الليل يحكم النهار، ألا تعرف هذه الحقيقة\".
\"وماذا عن مكاتب التدليك\"، سألته:
ابتسم وقال انه لا يعرف شيئا عنها، كما لا يعرف عن واقع الروسيات البيض والبولونيات اللواتي يأتين للعمل في لبنان لفترات محدودة.
\"ولكن لماذا نستورد ما دمنا نصدر؟\" سألته.
هنا، قال منير انه مشغول جدا، وقال أن عليه أن يذهب الآن، رافضا إعطائي ولو صورة واحدة من مئات الصور التي يمتلئ بها الأستوديو.

* * *

الصورة التي قدمها لي هذا المصور، لا تبدو شبيهة بالصورة الخيالية التي رسمتها عن عالم الدعارة في لبنان. فالأشياء هنا باهتة، حتى صور الحفلات في القصر المغربي، أو صور الذهاب إلى فنادق في دول الخليج، لا تثير الخيال. أنها تعبير عن جنس محض، وعن دعارة عابرة.
يستطيع المراقب أن يميز في دعارة اليوم، ثلاثة أشكال رئيسة:

1- دعارة التصدير:

بائعات الدعارة الـمســتترة
وهي كانت منذ بدأ الذهب الأسود يتدفق في الصحارى والفيافي. يقال، والله اعلم، أن متعهدها الأول، وكان زعيما سياسيا مرموقا، بنى ثروته على تجارة الرقيق الأبيض. إذ كان يتم تصدير الفتيات وربما الفتيان أيضا، للعمل في الخدمة المنزلية وما شابه غير أن هذا النوع من الرقيق تلاشى كليا مع بروز المنافسة الآسيوية، التي استولت على هذا القطاع برمته. وهناك الآن في الإمارات العربية، مثلا، بيوت للتدليك، يديرها آسيويون وآسيويات من جنسيات مختلفة. الصيغة الجديدة اللبنانية تقوم على دعارة شبه محترفة، يشترك فيها محترفون وهواة، وتقوم على العالم النوعي: عارضات أزياء، طالبات جامعيات، وتتم عبر رحلات منظمة لا تستهلك سوى أوقات قليلة. لذلك فإن عمل الهاويات \"لا غبار عليه\" هنا، لأنه يصير في البداية على الأقل، محاولة لجمع المال ثم ينتهي إلى حيث لا ندري.
القوادون والقوادات في هذا القطاع، ينتمون في غالبيتهم إلى \"النخبة\" الاجتماعية: مزينون، فنانو تجميل، إلى آخره...
العمل في قطاع التصدير، يراوح بين الممارسة الجنسية الكاملة وما يشبهها، لكنه لا يؤثر على المواقع الاجتماعية للفتيات، لأنه يتم في شكل عرضي.

2- دعارة الاستيراد:

وهي الدعارة المرتبطة بالاستيراد من دول المنظومة الاشتراكية السابقة. إذ يبدو أن سقوط جدار برلين لم يكن إيذانا بولادة نظام عالمي أحادي القطب فقط، بل كان بمثابة قنبلة جنسية انتشرت شظاياها في العالم بأسره. والملاهي الساحلية من المعاملتين إلى آخره تمتلئ بفتيات روسيات وأوكرانيات وبولونيات.
صديقي المصوّر روى لي تجربة شخصية مع إحداهن، وكانت تجربة صداقة مثلما قال. تذهب إلى الملهى وتعلن رغبتك بإحدى الفتيات عبر فتح قنينة شمبانيا. لا وجود للشمبانيا في الغالب، لكن يسجل على الفاتورة رقم مئة دولار، فيأتي المسؤول ويسألك من تريد، ثم يجلب الفتاة لتجلس معك ساعة واحدة فقط، لا شيء فيها سوى الثرثرة، ثم بعد ذلك كل واحد بشطارته. وعندما سألته ما معنى الشطارة، قال \"يعني لازم تعزمها لبرّا، وبعدين بتتفق معها وممكن يمشي الحال\".
سوف نلاحظ في باب الاستيراد غيابين كبيرين:
الغياب المصري، الذي صار نادرا جدا، بسبب الأوضاع الأمنية ربما. والغياب اليوناني الذي صنع مجد بيروت الغابر، عبر يونانيات محليات أو مصريات أو قبرصيات. ويبدو أن هذا الغياب الثاني هو نتيجة لتحولات جذرية في بنية الدياسبورا اليونانية التي انهارت في الإسكندرية بعد حرب ،1956 بعدما سبق لها أن انهارت في اسطنبول، بعد التبادل السكاني الشهير في الثلاثينات.
لا اعلم إذا كان من المنطقي وضع شبه الدعارة أو الاعتداءات الجنسية الدائمة على الخادمات السريلانكيات في خانة الاستيراد، أم يجب وضعه في خانة العمالة الأجنبية، كما لا أدري كيف يمكن تصنيف المومسات السوريات المنتشرات في الشمال وخصوصا في مدينة طرابلس.

3- الدعارة المحلية:

هي أكثر أشكال الدعارة بؤسا وفقرا. تتوزع بين البيوت المحمية والشوارع وبعض الأماكن والأحراج المعزولة.
البيوت المحمية، لا نعلم شيئا عنها وحتى وإن علمنا فلن نكتب، لأننا نبتغي السترة لأنفسنا وللفتيات المستورات ولمن يسترهن... لكن لا بد من الإشارة هنا إلى اختلاط الأجواء وانمحاء الفروق، بحيث نجد أن ما يسمى الوسط الفني، ونعني به الوسط الذي أنتج في استوديوهات تفقيس النجوم، قد لا يكون بعيدا عن مناخات هذه البيوت. أما دعارة الشوارع فهي الأكثر شيوعا والأرخص سعرا والأكثر إثارة للشفقة. تلم الفتاة من الشارع وتبدأ في التفاوض معها داخل سيارتك، فيهبط السعر كثيرا حتى يصل في أحيان كثيرة إلى حدود العشرين ألف ليرة لبنانية فقط لا غير. وهنا يستطيع الزبون اختيار المكان والطريقة.
فإذا أراد مكانا عليه تدبيره، أو دفع أجرته، أما إذا آثر السيارة فإن الفتاة سوف تقوده إلى أماكن تعرفها، وهناك يختار بين أصناف الممارسة: الجنس الكامل وسعره مرتفع، الجنس الفموي وقد يكون أكثر ارتفاعا، أو الجنس اليدوي وهو الأرخص والأسلم عاقبة.

* * *

أريد أن أعترف، أن منير كذب عليّ. أراني صورا وأقنعني أنه مصور وهذا ليس صحيحا. أنا أعتقد أنه قواد محترف، ولم تكن حكاية الصور سوى وسيلة من أجل إبهاري. إذ يبدو لي أن أنواع الدعارة المختلفة تتقاطع في أشخاص شبه مثقفين يشبهون منير هذا، ويستطيعون التنقل داخل مستوياتها المختلفة، بحسب مقتضيات الظروف.
لم اسأل منير من يحمي هذه الشبكة المعقدة من العلاقات والصفقات المالية، إذ لا شك أن انحطاط الدعارة مرتبط بالانحطاط العام في المجتمع. فأمراء الدعارة امتداد لأمراء الحرب والسلام، الذين يتصرفون كالأغنياء الجدد، متكلين على انعدام الذوق عند زبائنهم.
هنا تذكرت المرحوم حبيب أبي شهلا، أحد أبطال الاستقلال، الذي يرتفع تمثاله على مستديرة مار الياس، شاهدا لزمن مضى برجالاته ومتعه وتسلياته وعلاقاته الجنسية. تذكرت كيف كان ذلك الرجل رائد الموت بين ذراعي سيدة أجنبية عشقها. وكيف صار موته علامة لا تنسى، تضاف إلى مجد العشق، الذي يتبهدل اليوم في الطائرات التي تحوم كالذباب فوق مطارات إمارات النفط.

الياس خوري - السبت 26 كانون الثاني 2002

0 تعليقات::

إرسال تعليق