الأحد، 26 يونيو، 2011

جردة بالعمر السياسي لوزير الدفاع خلال عقد من الزمن .. الياس المرّ: صاحب المواقف... والهفوات «القاتلة» أيضاً

المر خلال زيارته الأخيرة لرومية (م.ع.م)
كثر ممّن يعرفون الياس المرّ عن قرّب يقرّون بصعوبة فصله بين الشخصي والسياسي. الرجل صاحب مواقف... وهفوات «قاتلة» أحياناً. يوم قدّمه والده ميشال المرّ رسمياً إلى اللبنانيين «مشروع» وزير، للمرة الأولى، في حكومة رفيق الحريري في العام 2000، وصفه بـ«الشاب الحلاوة» الذي يصلح لأن يعمل في الشأن العام.
عملياً كان ابن «دولة الرئيس»، وكان عمره آنذاك 38 عاماً، قد قطع شوطاً كبيراً، من وراء الكواليس، في فك شيفرة العديد من الملفات السياسية والأمنية مستظلاً عباءة والد «يتنفس» سياسة وخدمات على عدد الثواني... وتجربة «مثمرة» في العمل الاستخباراتي مع صديقه إيلي حبيقة. ورغم كل ما قيل عن علاقة «مهزوزة» بين الأب والابن، سُمع ميشال المرّ يقول، قبل تشكيل «حكومة الدوحة»، «لقب نائب رئيس الوزراء وزير الدفاع للوزير الياس المرّ سيبقى كما هو ولا أحد يستطيع أن يأخذ قطعة منه. إما أن يكون اللقب كما هو، وإما نعتذر كما اعتذرنا عام 2004». عملياً كان «ديك المتن» يتحدث من موقع الواثق بعودة نجله إلى الموقع الأرثوذكسي الأول والى اليرزة بناء على تطمينات داخلية وخارجية، لكن العودة إلى وزارة الدفاع كانت مصحوبة بتساؤل كبير من جانب فريق سوريا والمعارضة آنذاك: «هل الياس المرّ معنا أم ضدنا»؟
أحسن المر الابن اللعب على تناقضات أبقته دوماً خارج دوامة الفرز والاصطفافات الحادة. ولعل إحدى علامات الاستفهام اليوم تتمحور حول «نوعية» العلاقة التي تربط «حزب الله» بوزير الدفاع، في «عصر» الحديث عن تغيير حكومي يواكب مرحلة «فكّ ألغام» المحكمة الدولية. الخبثاء في السياسة يطرحون في هذا السياق معادلة مفادها: فتح حساب مصرفي لتسليح الجيش يعكس في الواقع الجانب المخفي لكباش «صامت» بين الحزب والياس المرّ المقتنع أصلاً بضرورة استلام الجيش عاجلاً أم آجلاً زمام الدفاع عن الأرض. أما من جهة وزير الدفاع، «فتسليح الجيش قرار لا عودة عنه بتوجيهات من رئيس الجمهورية وتبني وزارة الدفاع له، والقرار لا يهدف إلى إحراج أي جهة».
قمة المفارقات التي أدخلت الياس المرّ المعترك السياسي ورمته لاحقاً في حضن الحكومات المتعاقبة من عهد إميل لحود في العام 2000 حتى اليوم، هي أن «الخلطة» اللحودية - السورية التي فرضت المرّ الابن وزيراً للداخلية لم تأت وفق «توقيت» العمارة. بتأكيد العارفين، دخل الياس المعركة باكراً، وقبل الوقت مما أفقده هامش المبادرة والحسم، ذلك أن الأب لا يزال يحتكر «المفاتيح» حتى الآن، عاجزاً عن توريثها لابنه الوحيد. منذ ذلك الوقت راكم الوزير الرصين سجلاً من الإرباكات و«الزلات»، عكست في واقع الحال انتقاله «السلِس» والمدروس من معسكر إلى آخر.
خصوم المرّ الابن يرون أنه «أبدَع» في نقل البارودة أكثر من مرة من كتف إلى كتف. جلس إلى الطاولة الوزارية بإرادة سورية، وتحرّر منها لاحقاً بغطاء أميركي، حامياً ظهر الجبهة الآذارية، ليعود ويلتحق بمعادلة ما بعد الدوحة، من دون أن يقطع شعرة معاوية مع الأميركيين، هو الذي تربطه علاقة صداقة ومعرفة وثيقة بمساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى جيفري فيلتمان. مع ذلك، باعتراف خصومه وحلفائه، الياس المرّ لم يلتحق يوماً بالصفوف الأمامية لـ «ثورة الأرز».
إحدى «دعساته الناقصة» تجلّت يوم نسّق مع الإعلامي مارسيل غانم طلّة تلفزيونية عبر هاتف «كلام الناس»، أكد فيها أنه تلقى تهديدات، قبل محاولة اغتياله في 12 تموز 2005، من العميد رستم غزالي الذي كان يشغل منصب رئيس جهاز الأمن والاستطلاع في لبنان. كلامٌ لم يراع العلاقة الشخصية التي كانت تربطه بالعميد ماهر الأسد آنذاك.
يومها روى المرّ انه حصلت مشكلة بينه وبين غزالي على إثر توقيفه شبكة عنجر الإرهابية التي كانت بصدد القيام بعملية تفجير للسفارة الايطالية في بيروت، وأن الأخير اتصل بقائد الدرك آنذاك العميد سعيد عيد وأسمعه كلاماً غير مقبول. المرّ، كما قال، اتصل بغزالي «متخذاً الموقف اللازم». العميد عيد، الذي كان يستمع إلى المكالمة على خط ثان، بادر المرّ قائلاً «العوض بسلامتك، ضبّ غراضك، صار لازم تفلّ عالبيت». التصريح الاتهامي لوزير الدفاع آنذاك أتى قبل أقل من شهر من موعد صدور التقرير الأول للمحقّق الألماني ديتليف ميليس، في وقت كان هذا الأخير قد طلب سابقاً رفع السرية المصرفية عن حسابات الياس المرّ، إلا أنه عاد وسحب طلبه مقدّماَ اعتذاره له.
كون المرّ من أولى الشخصيات التي أعادت تعبيد الطريق نحو نقطة المصنع من موقعه الوسطي كوزير محسوب على رئيس الجمهورية، وبالرغم من الحرارة التي أحاطت زيارته الأولى إلى العاصمة السورية في كانون الثاني 2009 واجتماعه بالرئيس بشار الأسد، فإن ذلك لم يحجب واقع أن وزير الداخلية زياد بارود وقائد الجيش جان قهوجي قد سبقا وزير الدفاع إلى مصافحة السوريين. تفصيل تقني تتبدّى أهميته، عندما لا تجد لدى حلفاء دمشق أجوبة عن سبب عدم زيارة المرّ مجدداً لدمشق ولقائه نظيره السوري أو الرئيس الأسد.
وفق المعلومات، فإنه خلال زيارة الرئيس ميشال سليمان الأخيرة إلى دمشق سأله الأسد عن «صحة الوزير المرّ»، فأجابه بـ«أنه بخير»، لافتاً نظره إلى أن «وزير الدفاع سيطلب موعداً عبر المجلس الأعلى اللبناني - السوري» للجلوس مع المسؤولين السوريين المعنيين لبحث التنسيق الأمني بين البلدين. وبالفعل، يؤكد مطلعون، أن الوزير قد طلب موعداً لزيارة دمشق إلا أن الجواب لم يأت بعد. وثمة من يقول إنه طلب من «حزب الله» الدخول على الخط.
لكن للمقرّبين من المرّ رواية مختلفة تقول «إن التنسيق الأمني بين وزير الدفاع ودمشق قائم ومستمر. وكان يفترض أن يكون المرّ في عداد الوفد المرافق لرئيس الحكومة في زيارته الأخيرة إلى دمشق، إلا أن تواجده في بريطانيا منعه من الذهاب مع الوفد، وبالتالي تمّ إرجاء اللقاء بين وزيري الدفاع اللبناني والسوري إلى وقت لاحق تقرّره سوريا، مع العلم بأنه ليس هناك أي موانع لحصول هذه الزيارة».
يستذكر منتقدو الياس المرّ بعض الإخفاقات في أداء نجل أبي الياس، من المشهد القمعي أمام ساحة العدلية في 7 آب 2001، إلى «مؤتمر الضمير» إثر إعلان نتائج انتخابات المتن الفرعية عام 2002، وسيناريو إقفال «إم.تي.في» وإبطال نيابة غبريال المر، مروراً بإعلان وقف العمليات العسكرية في مخيم نهر البارد فيما كان مقاتلو «فتح الإسلام» لا يزالون ينشطون على جبهة استهداف عناصر الجيش، لينتهي مشهد «البارد» بشكر الياس المرّ لدور دول العالم والمنطقة في المساعدة على القضاء على الإرهاب باستثناء سوريا، إلى وقوعه في دائرة الاتهام بشأن أحداث مار مخايل، وموقفه من شاحنة السلاح التي وضعت القوى الأمنية يدها عليها خلال مرورها في منطقة الحازمية وإعلان «حزب الله» ملكيته لها، وصولاً إلى «مؤتمر اليرزة» الشهير الذي لامه عليه الأقربون قبل الأبعدين، وسياسة «الكيل بمكيالين» حيال موقف وزارة الدفاع من التسريبات التي تطال ضباط الجيش اللبناني.
في هذا السياق، يجد المقرّبون من المرّ، أنه رغم بعض الأخطاء التي كان بالإمكان تفاديها في المؤتمر الصحافي الأخير في اليرزة، «فإن إطلالة وزير الدفاع وضعت حداً لحملة مبرمجة تستهدف تشويه صورته من جانب أكثر من طرف يسعى لاستبعاد المر عن الحكومة المقبلة». برأي هؤلاء «الحملة ضد وزير الدفاع أكبر من كتبتها، والدليل أن لا أحد يجرؤ على هكذا مواجهة إن لم يكن مدعوماً، خصوصاً أن الموقع الأساسي للمرّ هو حماية الجيش، والمؤتمر الصحافي كان موجهاً عملياً ضد منطق التلفيقات».
محطات الارتباك «المرّي»، لا تحجب بعض الوقائع حيال الموقع المؤثر الذي يشغله وزير الدفاع اليوم. فخلافاً للتسريبات حول أن التغيير الحكومي سيطال «الوزارات الحسّاسة» المفترض أن تُواكب بـ «طاقم جديد» مقتضيات مرحلة ما بعد صدور القرار الظني، يؤكد مقرّبون من دمشق «أن هذه التسريبات قد أخذت مكانها فعلاً في الصالونات السياسية، لكن هذا لا يعني أن التغيير الحكومي سيتم قريباً وان الياس المرّ من الأسماء التي ستكون خارج الحلبة الوزارية، لكن الأكيد أن الخلطة الحكومية المقبلة ستكون متجانسة أكثر وتفرضها متطلبات المرحلة». ويقول العارفون «أن أي محاولة لاستبعاد المرّ من أي تشكيلة حكومية مقبلة، هي في الواقع «مشروع مشكل» مع رئيس الجمهورية، ولعل ردّ الرئاسة الأولى كان واضحاً عبر موقف سليمان المتمسّك ببقاء الوزارات الأمنية في عهدة بعبدا، وليست مرافقة المرّ وزياد بارود لرئيس الجمهورية إلى الديمان سوى رسالة مباشرة لمن يعنيه الأمر بأنهما من أهل البيت».
ويعرض المقرّبون من دمشق «حيثيات» استمرار المرّ في موقعه حتى الآن: لا يمكن تصنيف المرّ يوماً بأنه «سوبر وزير»، لكنه قدّم في الفترة الماضية شهادة حسن سلوك حيال الموقف من المقاومة وسوريا والمؤسسة العسكرية. هو من السياسيين الذين لم يصافحوا سمير جعجع بعد خروجه من السجن، فيما جماعة «حزب الله» فعلوا ذلك. تربطه علاقة وثيقة جدا بقائد الجيش، وقد أخذ بصدره العديد من المواقف التي أراحت المقاومة. تجسّد ذلك من خلال موقفه غير المتحفّظ على البيان الوزاري، وامتصاص النقمة الآذارية حيال انفجار الضاحية حين علت الأصوات المندّدة بمنع الأجهزة الأمنية من دخول «المربّع الأمني»، وموقفه الرافض دمج المقاومة مع الجيش، والتمسك بالعقيدة القتالية للجيش...
وفق تأكيدات مصدر أمني رفيع في الجيش «مواقف وزير الدفاع تسهّل علينا كثيراً مهمة التنسيق مع المقاومة. يمكن اعتباره من أكثر وزراء الدفاع الذين سلّفوا مواقف لقيادة الجيش من دون حساب. وهو على الأكيد من أقل الوزراء الذين يطلبون خدمات شخصية من قائد الجيش جان قهوجي».
المشهد «المرّي» من الولايات المتحدة في شباط الماضي يصبّ في السياق نفسه: وزير الدفاع يثير مع المسؤولين الأميركيين مسألة الخروقات الإسرائيلية المستمرة ويعلن من نيويورك أن نظيره الأميركي روبرت غيتس سلّمه كتاباً رسمياً يقضي بمنح لبنان مساعدات أميركية جديدة بقيمة 267 مليون دولار فوراً تلبية لحاجات الجيش اللبناني. لاحقاً، إثر أحداث قرية عديسة، يعلن المرّ رفضه أي مساعدات أميركية إذا كانت مشروطة بعدم استخدام الأسلحة ضد إسرائيل، وذلك رداً على قيام مجلس النواب الأميركي، بمبادرة من رئيس لجنة العلاقات الخارجية النائب هوارد بيرمان، بعرقلة وصول المساعدات الأميركية إلى لبنان، بذريعة تمتع «حزب الله» بنفوذ قوي داخل مؤسسة الجيش.
زيارة النائب وليد جنبلاط إلى دمشق كان ممرها الإلزامي عبر الضاحية الجنوبية، فهل يكون الممر الإلزامي لزيارة المر للعاصمة السورية عبر برج الغزال؟

ملاك عقيل - السفير 21/08/2010

0 تعليقات::

إرسال تعليق