الخميس، 31 مارس، 2011

جيفري فيلتمان... «دولة» الدبلوماسي الأميركي الذي لسعه يعسوب لبنان

صورة
فيلتمان في مطار بيروت الأحد الماضي (بلال قبلان)

عندما مازحه الزميل مارسيل غانم متوجهاً إليه بـ«دولة الرئيس فيلتمان» أجاب فيلتمان: «فخامتك». رد غانم: لستُ مرشحاً للرئاسة. قال فيلتمان: «لكنك ماروني. لا؟». «بلى»، قال مارسيل. عندها تابع السفير الأميركي: كل الموارنة مرشحون. 
من هذا السقف، بدأ فيلتمان مقابلته مع غانم، في العام 2007. كان الدبلوماسي يختم قرابة ثلاثة أعوام من تجربته اللبنانية. وكان يبدأ من أنه ضليع ليس فقط باللعبة اللبنانية، بل بالمبارزات الكلامية اللبنانية. وهو، إذ كان يتحدث بعد يوم على عيد الاستقلال الأميركي في الرابع من تموز، لم يكن ينقصه الاعتداد الذي يجعله يشبه لبنان بأميركا. الأول، يستقل عن سوريا، والثانية تستقل عن بريطانيا العظمى. اعتداد لم يكن من فراغ. فالرجل يمكنه التغزل حتى الصباح بيوم 14 آذار. ومع أنه لن يقول بالضرورة إنه واحد من كبار صانعيه، إلا أن كل جوارحه تشي بأنه لعب دوراً أساسياً في قيام «ثورة الأرز»، وربما المشاركة في منحها هذا الاسم الرائع الذي حفظه بسرعة البرق الرئيس جورج بوش، ولم يكن ممن يعوّل كثيراً على ذكائهم. 


ابن المنطقة وصراعاتها السياسية عاش لسنوات طويلة في القدس وفي تل أبيب، وجاء إلى عوكر سفيراً للمرة الأولى، في زمن الانقلاب الأميركي على تلزيم لبنان للسوريين في العام 2004، غداة الاحتلال الأميركي للعراق. لم يأت، كما معظم الغربيين، مبتسماً لسبب أو بدونه، ولم يأت مثقلاً أيضاً بحذر اللغة الدبلوماسية. قبل أن يرى اللبنانيون ملامحه الساخرة، تعهد فيلتمان بالوضوح وقال إنه «حان الوقت لسوريا كي تسمح للبنان بأن يختار مسؤوليه المنتخبين من دون نفوذ أجنبي وأن يمارس سيادته الكاملة فوق كل أراضيه»، ورأى أن على «حزب الله أن ينزع سلاحه كي يتم قبوله كشريك سياسي شرعي في المنطقة».
ابن الخامسة والأربعين حينها، وصل إلى لبنان متسلحاً بلغات اللبنانيين الثلاث، العربية والفرنسية والانكليزية. ويبدو أنه واحد ممن لسعهم ذاك اليعسوب الغامض لحظة تنشقوا هواء هذه البلاد، فتغيروا إلى الأبد.
من القدس حيث كان متشددا تجاه الفلسطينيين ومتعاطفا مع ما يسمى «اليسار الإسرائيلي»، إلى العراق، وتحديدا شماله الكردي، حيث تولى من أربيل تنسيق مهام «التحالف الدولي» أو «السلطة المؤقتة»، إلى بيروت، بعدما كان قد أنجز الطباخون في البيت الأبيض والاليزيه، غداة لقاء النورماندي بين بوش وجاك شيراك، المسودة الأولى للقرار الدولي الرقم 1559.
على عتبة التمديد لإميل لحود وصدور القرار الذي أدخل لبنان في مهب التدويل، اكتسبت عوكر معنى كان مفقودا لسنوات طويلة، صارت تتجه إليها المظاهرات وصار فيلتمان مهجوسا بصياغة علاقات تفصيلية مع الفريق المؤمن بالانقلابات في المنطقة.
تكفي رسائله القصيرة كي يجد عشرات المتطوعين من السياسيين والإعلاميين، لتسويق فكرة أو موقف. كان يسجل ملاحظاته على مواقف السياسيين. يتصل بالإعلاميين ويتحفظ عن ضيوف ويقترح بديلا لهم. معه صارت الدبلوماسية الأميركية طائفة أو حزبا لبنانيا. يخشى دوره الخصوم و«يؤمن» به الأصدقاء... وصفه نبيه بري بأنه «ثعلب» وكان يهوى مناكفته وجلسات «النكد» معه. إميل لحود تصرف معه كخصم، بعدما أشهر له من واشنطن عداءه له. مع رفيق الحريري، تفاعلت «الكيمياء» سريعا. مع وليد جنبلاط، بلغ الأمر حد التقاء داهيتين في السياسة والدبلوماسية، بحيث يدرك واحدهما مضمون الآخر الحقيقي... ولو تبدلت الأيام والأهواء.
طبق سياسة دولته كما ينبغي، لكن بمزاج لبناني خالص، حيث لا يدري أحد متى تتوقف السياسة لينطلق الزجل، والعكس. فيلتمان، كان أذكى من أن ينزل في الحلبة اللبنانية بهيجان راعي بقر أميركي فوق حصانه. بقي على هدوئه، وإن كان مشدود العصب ضد سوريا وحزب الله، بما يكفي لأن يوظف انفعالاته في تمتين السيقان المرتجفة للقوى المعارضة لسوريا في حينها، كي تقف وتواجهها. هذا دور سيظل يلعبه إلى أن سالت هذه القوى من بين أصابعه، ولم يبق منها إلا من هو غير فاعل تماماً.
ذو الكلمة المسموعة، الذي لم يرتد قفازات قط، لن يكون محايداً تجاه الرابع عشر من آذار، بل سيكون واحداً من أول المهللين للضربة الأميركية الموجعة جداً للسوريين وحلفائهم حينها، وسيحمل لليوم الحنين نفسه الذي يحمله أعضاء الأمانة العامة لقوى 14 آذار، وقد حالت جنسية فيلتمان، على الأرجح، دون تبوئه منصب المنسق فيها.
أسوأ ذكرياته في لبنان كانت تلك المتعلقة بالحرب التي «جُرّ لبنان» إليها في العام 2006، والاغتيالات ومحاولات الاغتيالات، قال لـ«النهار».
وإذا كان من المستحيل على فيلتمان أن يقف على مسافة من الجميع، فلا شك في أن لبنانيته الزائدة شجعت أصدقاءه دائماً على التصلب في مواجهة المعسكر الآخر، حتى إذا سلّم عوكر إلى ميشال سيسون مع بداية العام 2008، كان جورج بوش قد بدأ ينسى أين يقع الشرق الأوسط بالتحديد على الخريطة. عاد فيلتمان إلى الولايات المتحدة تاركاً معسكره يشعر بالبرد من دونه. وجاءت ميشال سيسون بضحكتها الجميلة جداً تبحث عن سياسة لإدارتها في هذه الناحية من العالم فلم تجد شيئاً. ملائكة فيلتمان ظلت حاضرة في سماء عوكر، واتصالات محبي فيلتمان ظلت تمر من فوق رأس سيسون إلى فيلتمان. غير أن زمن «جيف» في لبنان لم يكن ليعود كما كان، بعدما افتقد زخم السفير وحيويته السياسية وشبكة أصدقائه.
ومع أنه نال إعجاب وزيرتي خارجية أميركا كوندوليسا رايس وهيلاري كلينتون، إلا أن لبنان في عهد إدارة الرئيس باراك أوباما لم يعد مهماً. وثمة من يقول إن تحرك مساعد وزيرة الخارجية جيفري فيلتمان الأخير، لا يعدو كونه حركة خاصة بالرجل الذي يمسك ملف المنطقة ويتفرع منه ملف لبنان، وهو الأخير من غيره فيه. وهو يمكنه أن ينقل رسالة شفهية من الرئيس من دون أن يكون قد التقاه، أو أن يكون هناك اختلاف في السياسة الأميركية تجاه لبنان.
هل حكه مكان لسعة اليعسوب فنزل لساعات في لبنان كي يطفئ حنينه للبلد الأحب إلى قلبه، يدخله كما الجار لديه حظوة الدخول من الباب الخلفي المفتوح دائماً؟ للرجل «التزام شخصي حيال لبنان»، يكاد يجعل الواحد يظنه لا يخلع القميص القطني الذي كتب عليه، I love Lebanon. وهو إن قرر أن يظهر حبه للبنان، فعلى الطريقة اللبنانية، بحماسة وانفعال زائدين لم يعد غلاة 14 آذار من محبذيها، بخاصة أن صديق «جيف» الأقرب، عاد من «غربته المقيتة» عن العروبة، كما كان سماها مؤخراً.

جهاد بزي – السفير 20/10/2010

0 تعليقات::

إرسال تعليق